كل شيء لك مغفور . . . سوى الإعراض عني قد وهبنا منك ما فا . . . ت بقي ما فات مني فاضطرب وغشي عليه فلم يفق يوما وليلة ، وهذا في قصة طويلة كانت له بعد مقامات أقيم نقل عنها إلى هذا المكان ، حتى قال في آخر ذلك : فسمعت النداء من الجب : يا إبراهيم كن عبدا قال : فكنت عبدا ، فاسترحت ، معناه لا يملكك إلا واحد تكون عبدا له حرا مما سواه ، ولا تملك شيئا فإن الأشياء في خزانة مليكها فلا تتملكها فتحجبك عن مالك ، وتأسرك بمقدار ما ملكتها ، وقد ضرب الله مثلا بينه وبين خلقه أن رجلين أحدهما فيه شركاء متشاكسون علىه من أهل ومال وشهوات ، وآخر مسالما خالصا لواحد ، إنهما لا يستويان في قوله تعالى : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) الزمر : 29 ، أي الأكثر ليسوا علماء ، هكذا الواحد وأشد من الفوت خوف السلو وهذا أخوف ما يخافون ، لأن حبا له كان به لا بهم وهو نعمة عظيمة لا يعرف قدرها ، فكيف يشكره عليها ولا يقوم لها شيء ؟ فكذلك سلوهم عنه يكون به كما حبهم له به ، فيدخل عليهم السلو عنه من حيث لا يشعرون ، من مكان ما دخل عليهم الحب له من حيث لا يعلمو ، فتجد السلو به كماوجدت الحب له ، فتكون به قد سلوت عنه وأنت لا تدري كيف سلوت ، لأنه يدرجك في ذلك إدراجا بلطائف الحكمة ، كما أنك أحببته وأنت لا تدري لأنه أشهدك وصفه باطلاع القدرة عن جنان الرحمة ، فوجدت نفسك محبا له ، كذلك ترجع المحبة كما جاءت تحجبك عنه عن وصف المكر والجبرية ، فتجد قلبك ساليا عنه بلا حول منه ولا قوة ولا اجتلاب ولا حيلة ، وهذا لا يصفه إلا عارف بدقيق بلائه ، ولا يحذره إلا خائف من خفي مكره وابتلائه فإذا سلوت عنه به كان ذلك دليلا منه أنه قد رفضك وأطرحك كما أنت إذا كنت تحبه إنما أحببته به ، وهذا هو تحقيق المكر السريع بسرعة تقليب القدرة لقلوب الذي تحقق بالمكور ، وهو درك الشقاء الذي أدرك المغرور بما لا يدركه الطرف لسرعته ، ولا يحول في الوهم لخفيته ، كقوله تعالى : ( إذا لهم مكر في آياتنا ) يونس : 21 ، أي معصية بالنعم ، قل الله أسرع مكرا أي أخفى تقليبا قد أظهر لهم نعما أحبوها ، وكانت عقوبة ونقاما باطنة في لبس النعم الظاهرة يدر جوابها إلى درجة درجة من حيث لا يعلمون ، وأشد من هذا كله خوف الاستبدال لأنه لا مشوبة فيه ، وهذا حقيقة الاستدارج يقع عن نهاية المقت من المحبوب ، وغاية البغض منه والبعد ، والسلو مقدمة هذا المقام والإعراض والحجاب بداية ذلك كله ، والقبض عن الذكر وضيق الصدر بالبر أسباب هذه المعاني المبعدة والمدارج المدرجة ، إذا قويت وتزايدت
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٩٦
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٩٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي