مستحسن لأفعاله ، ثم اللهج بذكره ومحبة من يذكره ومجالسة من يذكره ، ودوام التشكي والحنين إليه وخلو القلب من الخلق ، وسبق النظر إلى الخالق في كل شيء ، وسرعة الرجوع إليه بكل شيء ، ووجد الأنس به عند كل شيء ، وكثرة الذكر له والتذكر بكل شيء ، ومن علامة المحبة طول التهجد ، وروي عن الله سبحانه : كذب من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني ، إلا أن بعضهم جعل سهر الليل في مقام بعينه ، ذكر له هذا الخبر فقال : ذاك إذا أقامه مقام الشوق فأما إذا أنزل عليه السكينة وأواه بالأنس في القرب ، استوى نومه وسهره ، ثم قال : رأيت جماعة من المحبين ، نومهم بالليل أكثر من سهرهم ، وإمام المحبين وسيد المحبوبين رسوله الله صلى الله عليه وسلم كان ينام مثل ما يقوم ، وقد يكون نومه أكثر من قيامه ولم يكن تأتي عليه ليلة حتى ينام فيها ، ومن المحبة الخروج إلى الحبيب من المال بالزهد في الدنيا ، والخروج إليه من النفس بإيثار الحق على جميع الأهواء ، وقال الجنيد : علامة المحبة دوام النشاط والدؤوب بشهوة يفتر بدنه ولا يفتر قلبه ، وقد قال بعض السلف : العمل عن المحبة لا يداخله الفتور ، وقال بعض العلماء : والله ما استسقي محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل ، ومن المحبة التناصح بالحق والتواصي به والصبر على ذلك ، كما وصف تعالى الرابحين من الصالحين ، فقال تعالى : ( إن الإنسان لفي خسر ) ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) العصر : 2 - 3 ، لأن المحبين ليسوا كمن وصفه في قوله تعالى : ( يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ) ( إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ) محمد : 36 - 37 يعني أن يسألكم محبوبكم من الأموال ويستقصي عليكم يخرج أحقادكم عليه . على ذلك ، كما وصف تعالى الرابحين من الصالحين ، فقال تعالى : ( إن الإنسان لفي خسر ) ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) العصر : 2 - 3 ، لأن المحبين ليسوا كمن وصفه في قوله تعالى : ( يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ) ( إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ) محمد : 36 - 37 يعني أن يسألكم محبوبكم من الأموال ويستقصي عليكم يخرج أحقادكم عليه . وروينا في مقرأ ابن عباس : ويخرج أضغانكم ؛ يعني الأموال ، فلو لم يدخل على هؤلاء الضعفاء إلا الشرك في محبة الأموال والشغل بها عن ذكر ذي الجلال ، فخسروا ما ربح المخلصون من الأحباب ، وفاتهم ما أدرك الصالحون من طوبى وحسن مآب ، فالله تعالى يسأل أحبابه أموالهم وأنفسهم حتى لا يبقى لهم محبوب سواه ولئلا يعبدوا إلا إياه محبة منه وكشفا لمحبتهم واختبارا لأخبارهم في صدقهم وصبرهم ، ولأنه جواد ملك لايسأل إلا كلية الشيء وجملته ، وهو غيور لا يحب أن يشركه سواه في محبته ، فلا يصبر عليه إلا من عرفه ولا يحبه إلا من صبر عليه ، ولا يرضى بحكمه فيه إلا من أيقن به ، إلا أنه لا يسأل الجملة كلها إلا لمن أحبه المحبة الخاصة ، وذلك كله من نظام حكمته ، وقيل لبعض المحبوبين وكان قد بذل المجهود في بذل ماله ونفسه ، حتي لم يبق عليه منها بقية : ما كان سبب حالك هذه من المحبة ؟ فقال : كلمة سمعتها من خلق لخلق عملت بي هذا البلاء ، قيل : وما هي ؟ قال : سمعت محبا قد خلا بمحبوبه وهو يقول : أنا والله أحبك بقلبي كله ، وأنت معرض عني بوجهك كله ، فقال له المحبوب : إن كنت تحبني فأي شيء تنفق علي فقال : ياسيدي ، أملكك ما أملك ، ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك ، فقلت :
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٩١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٩١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي