مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة ) البقرة : 265 ، فكم في هذه الحنة من سنبلة وحبة ، فهؤلاء الذين قال : والله يضاعف لمن يشاء هم أهل الرضا عنه ، وهم الذين أقرضوا الله قرضا حسنا لأجله لمضاعفته لهم أضعافا كثيرة ، فمن عقل عن الله حكمته كان مع الله تعالى فيما حكم مسلما له ما شهد ، لأنه سبحانه باختياره أنشأ الأشياء ، وبمشيئته أبداها وعنه يتصرف المقدور وإليه عواقب الأمور ، لا يكون مع نفسه فيما يهواه ولا مع معتاده وعرفه فيما يعقل ، وقال بعض العارفين : قد نلت من كل مقام حالا إلا الرضا ، فما لي منه إلا مشام الريح ، وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار لكنت بذلك راضيا ، وقيل لعارف فوقه : نلت غاية الرضا عنه فقال : الغاية لا ، ولكن مقام من الرضا قد نلته حتى لو جعلني جسرا على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة ، ثم ملأ بي جهنم تحلة لقسمه وبدلا من خليقته لأحببت ذلك من حكمه ، ورضيت به من قسمه ، وحدثونا عن الروذباري قال : قلت لأبي عبد الله بن الجلاء الدمشقي قول فلان : وددت أن جسدي قرض بالمقاريض ، وأن هذا الخلق أطاعوه ، مامعناه قال : يا هذا ، إن كان من طريق الإشفاق على الخلق والنصح فأعرف ، وإن كان من طريق التعظيم والإجلال فلا أعرف ، قال ثم غشى عليه ، وقد كان عمران بن حصين استسقى بطنه فلبث ملقى على ظهره ثلاثين سنة سطحيا ، لا يقوم ولا يقعد ، قد نقب له في سرير من جريد كان تحته موضعا لغائطه وبوله ، فدخل عليه مطرف أو أخوه العلاء فجعل يبكي لما يرى من حاله ، فقال : لم تبكي ؟ فقال لأني أراك على هذه الحال العظيمة فقال : لا تبكي فإن أحبه إلي أحبه إلى الله ثم قال : أحدثك شيئا لعل الله أن ينفعك به ، واكتم عني حتى أموت أن الملائكة تزورني فآنس بها ، وتسلم علي فأسمع تسليمها ، أراد عمران رحمه الله بذلك أن يعلم أن هذا البلاء ليس بعقوبة : لأن مثل هذه الآية إنما هو درجة ورحمة ، وبلاء العقوبات لا يكون معه الآيات ولا يوجد عنده الحلاوات ، ولا مزيد القلوب من نسيم ريحان الغيوب ولأنه كان حزن عليه فأراد أن يبشره : فلا تذكر الحبيب ولا حب لقاء الطبيب ، كما أنشد بعض المحبين : با حبيبا بذكره نتداوى . . . وصفوه لكل داء عجيب من أراد الطبيب سر إذا . . . اعتل اشتياقا إلى لقاء الطبيب من أراد الحبيب سار إليه . . . وجفا الأهل دونه والقريب ليس داء المحب داء يداوى . . . إنما برؤه لقاء الحبيب قال : ودخلنا على سويد بن شعبة نعوده ، فرأينا ثوبا ملقى فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف ، فقالت له امرأته : أهلي فداؤك ما نطعمك ما نسقيك فقال : طالت الضجعة ودبرت الحراقيف وأصبحت نضوا لا أطعم طعاما ولا أسيغ شرابا منذ كذا ، فذكر أياما ثم قال : وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر ،
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٧٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٧٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي