تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن الرضا سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور وطيب النفس وسكونها في كل حال ، وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلع من أمور الدنيا وقناعة العبد بكل شيء ، واغتباطه بقسمة ربه وفرحه بقيام مولاه عليه ، واستسلام العبد للمولى في كل شيء ورضاه منه بأدنى شيء وتسليمه له الأحكام والقضايا باعتقاد حسن التدبير وكمال التقدير فيها ، ولتسليم العبد إلى مولاه ما في يديه رضا بحكمه عليه ، وإن لا يشكو الملك السيد إلى العبد المملوك ولا يتبرم بفعل الحبيب ، ولا يفقد في كل شيء حسن صنع القريب ، ومن الرضا أن عند أهل الرضا لا يقول العبد : هذا يوم شديد الحر ولا هذا يوم شديد البرد ، ولا يقول : الفقر بلاء ، ومحنة والعيال هم وتعب ، والاحتراف كد ومشقة ، ولا يفقد بقلبه من ذلك ما لا يغره به بل يرضي القلب ويسلم ويسكن العقل ، ويستسلم بوجود حلاوة التدبير واستحسان حكم التقدير ، كما قال عمر بن عبد العزيز : أصبحت وما لي سرور إلا في انتظار مواقع القدر ، وقال ابن مسعود : الفقر والغنى مطيتان ما أبالي أيهما ركبت ، إن كان الفقر فإن فيه الصبر ، وإن كان الغنى فإن فيه البدل ، وقال أحمد بن أبي الحواري : قلت لأبي سليمان : إن فلانا قال : وددت أن الليل أطول مما هو فقال : قد أحسن ، وقد أساء ، أحسن حيث تمنى طوله للعبادة وأساء إذا لم يحب ما لم يحب الله . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت من شدة أو رخاء ، وقال ذات يوم لامرأته عاتكة وقد غضب : والله لأسوءنك : فقالت أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد أن هداني الله له ؟ قال : لا ، قالت : فأي شيء تسوءني إذا ، وقال جعفر بن سليمان الصنعي قال سفيان الثوري يوما عند رابعة : اللهم ارض عنا ، فقالت : أما تستحي من الله أن تسأله الرضا وأنك غير راض عنه ؟ فقال : أستغفر الله ، قال جعفر فقلت لها : متى يكون العبد راضيا عن الله تعالى ؟ فقالت : إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة ، وقال فضيل بن عياض : إذا استوى عنده المنع والعطاء فقد رضي ، وفي أخبار داود : ما لأوليائي والهم بالدنيا ، إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم ، وفي بعضها : يا داود ، إياك والاهتمام بالدنيا ، محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمون ، إياك والغم ولاتهتم للخير وأنت تريدني ، ويقال : أكثر الناس هما في الدنيا أكثرهم هما في الآخرة ، وأقلهم هما في الدنيا أقلهم هما في الآخرة ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ، واعلم أن الفرح بالدنيا يخرج هم الآخرة من القلب ، والغم على الدنيا يحجب عن الحزن على فوت الآخرة ، وذكر عند رابعة عابد له عند الله منزلة ، وكان قوته ما يقمم من منزلة لبعض

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٦٦