تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يخرجه من التوكل مطالعته للعوض على معاملته من جزاء الآخرة ، لأنه قد شوق إلى ذلك وندب إليه ، ولكن لا يدخله ذلك في حقيقة الإخلاص ولا يرفعه إلى علو درجة الصديقين من المتوكلين ، وقد يكون مزيدا على قدر حاله ، إلا أنه لا يدخله في إخلاص المحبين ، ولايرفعه في درجات المقربين ، ولا يصح التوكل إلا بزهده في الدنيا ، وأول الزهد ترك الرغبة في الحرام ، وأول أحوال المتوكل في القوت ثم الصبر على حكم الحي الذي لا يموت ، وأعلى التوكل التوكل عليه في الاستسلام للأحكام والرضا عنه في المسابقة بين الأقدام ، وهو إطراح النفس ونسيانها شغلا منه عنها بنفسها وحبا له ، وحقيقة التوكل بعد مشاهدة يد الوكيل ، فإذا ظهرت يده غابت الأيدي فيها ، فعندها توكلت عليه بتدلل فقبل توكلك ، واستسلمت إليه فسلمك ، فإنه يتجلى لك بوصف يلزمك حكما ، يضطرك الحكم إلى الحاكم ويوقفك الوصف على الوكيل ، كما يضطرك الحاكم إلى الحكم ويجري لك وعليك ماشاء من القسم ، فأعلى توكلك عليه حياء منه ، وإشهاده إياك توكله لك بحسن التدبير ، لم يكلك إلى سواه ولم يولك إلا إياه : فإما أن يقتضيك تصبرا له ، وإما أن يقتضيك تفويضا إليه ، وأما أن يقتضيك رضا عنه أو تسليما له أو استراحة من تدبيرك لنفسك ، أو يسقط عنك اهتمامك بتقديرك وأمانيك ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، والحسب أي الحسب يجعله ما شاء كيف شاء ، فقد قيل : حسبه أي التوكل ، وقد قيل : التوكل حسبه من سائر المقامات ، وقيل : الله حسبه أي يكفيه ممن سواه ، قال تعالى معرفا للكافة مسليا للجماعة : ( إن الله بالغ أمره ) الطلاق : 3 ؛ أي منفذ حكمه فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه ، إلا أن من توكل عليه يكون الله حسبه أي يكفيه أيضا مهم الآخرة والدنيا ، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه ، كما لا ينقص من توكل عليه ذرة من رزقه ، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه ويرفعه مقاما في اليقين على تقواه ، ويعزه بعزه وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين ، ويزيده من التعب والهم ما يشتت قلبه ويشغل فكره ، والمتوكل عليه يوجب له بذلك تكفير سيئاته ، ويلقي عليه رضاه ومحباته ، والكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه ، والوقاية فقد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه ، إلا أن الاختيار وعلم الاستئثار إليه والكفاية والوقاية يجعل ذلك ما شاء كيف شاء وأين شاء ومتى شاء من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، ومن حيث لا يعلم لأن العبد موجود ، فجرى عليه الأحكام في الدارين ، وفقير محتاج إلى اللطف والرحمة والرفق في المكانين ، والله هو الغني الحميد المبدئ المعيد ، وقيل لأبي محمد سهل : متى يصح للعبد التوكل ؟ فقال : إذا علم أن تدبير مولاه له خير من تدبيره لنفسه ، فإن نظر مولاه له أحسن من نظره لنفسه ، فيترك التفكر فيما كان والتمني لما يكون ، فيترك التدبير ولله عاقبة الأمور وهو على كل حال محمود شكور . كل ؟ فقال : إذا علم أن تدبير مولاه له خير من تدبيره لنفسه ، فإن نظر مولاه له أحسن من نظره لنفسه ، فيترك التفكر فيما كان والتمني لما يكون ، فيترك التدبير ولله عاقبة الأمور وهو على كل حال محمود مشكور .

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٦٢