لكم ، فقلنا : لاحاجة لنا فيها فقال : خذوها ، قال : فأبينا ، فقال : يابني ، ودعا ابنا له وجعل يصرها صررا ويبعث بها إلى قوم حتى فرغ منها ، وهذا كانت نيته إخراجها لله سبحانه فلم يعد فيما أخرجه ، كما نقول فيمن أخرج رغيفا إلى سائل أو أعد درهما لفقير فلم يصادفه : إنا نستحب أن لا يرجع إلى ملكه بل يعزله لسائل آخر أو فقير غيره ، لم يزل هذا من أخلاق المؤمنين ، وقد رأينا من كان بهذا الوصف وهذا طريق قد عفا أثره ودرس خبره ، فمن عمل به فقد أحياه وأظهره وقد كان قديما طريقا إلى الله تعالى عليه السابلة من الأولياء .
| ذكر بيان آخر من أحكام المتوكل
اعلم أن التوكل على الله في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد ولا إيثاره بها ولا حفظها عليه ، ولا يقدم شيئا عن شيء ولا يؤخره لصلاح دنيا أو اختيارعبد ، بل هو إلى الإذهاب والإتلاف أقرب لأن التوكل قرين الزهد ، هكذا هو عند الخصوص ولأجل اختيار العبد وتحقيق صدقه محنة له ، ولأجل من نفي الشيء من الدنيا ، قال الله سبحانه وتعالى : ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ) الشورى : 36 فإن ذهب ماله فصبر أو شكر أو رضي ، كان صادقا في توكله ، وهذه أحوال المتوكلين في التوكل إن كانوا صادقين ، وإن عجز واضطرب كان كاذبا في توهمه للتوكل ويلزمه من مجاهدة النفس عند اضطرابها بعد عدم الأشياء ما يلزمه من مجاهداتها ونفي الآفات في سائر الأعمال ، فإن حفظ عليه ماله فقد رفق به في ذ لك وستر عليه عن كشف حقيقة حاله بتلف ذلك ، وجعلت كرامة من الدنيا له ليطمئن بذلك في حاله ويسكن به قلبه في طريقه ، وهذا مقام الضعفاء ، وإن نقص من الدنيا فقد أقيم مقام أهل البلاء ، الأمثل فالأمثل بالأنبياء ، ولولا الامتحان لكثر الصادقون وكذلك التوكل على الله في ترك الدواء لا يجلب العوافي ولا يعجلها ، ولا ينقص من الأمراض ولا يذهبها ، بل هو إلى الازدياد منها أقرب للتمحيص والابتلاء ، ومنه قوله عز وجل : ( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) آل عمران : 141 ، فمن لم يشهد نقصان الدنيا من النفس والمال نعمة توجب عليه الشكر ، ويرى المنع عطاء فقد جهل تلك النعمة بإضاعة شكرها ، فما فاته من جهل النعمة ، وترك الشكر ، أعظم مما يترك من جميع الدنيا ، وأخاف عليه لطيفة من المحق ، والمحق نقصان الشيء إلى ذهاب جملته عند الكفر بنعمته لقوله تعالى : ويمحق الكافرين فالله أعلم أي شيء يمحقه وينقصه ، بمقدار ما كفر شكر نعمته ، وقد قال سبحانه : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) البقرة : 155 فهذا النقص من هذه الخمس التي المزيد منها هو جملة الدنيا ، هو المزيد من الآخرة لا ضد الدنيا كما قال تعالى : ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فصبروا على مصائبهم توكلا على ربهم ، ثم توكلوا رهم لشهادة وكيلهم