وليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهويضحك ، وقال مرة أخرى في رواية عنه : ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ، وسأله رجل عما لا يسكر من النبيذ فقال : انظر في الدرهم الذي تشتري به التمر من أين هو ؟ فإن كان حلالا وإلا هلكت دع عنك ما لا يسكر ، وقد كان سري السقطي يتحري في أكل الحلال ولم يكن يأكل إلا من حيث يعرف ، وكان إذا ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه أثنى عليه وقال : تعنون ذلك الفتى المعروف بطيب الغذاء ، وكان يقول : لا يقوى على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات ، ويقال إن بشر بن الحارث كان يأكل من قبله ، وذكر لنا أن سريا السقطي وقف على بشر وهو يتكلم فاطلع في حلقته وقال : يا بشر ، لعل يدا نقين تلبسها وتستريح من هذا الاسم : يعني قولهم بشر الحافي ، فسكت بشر ، فظن من كان من أصحاب سري عند بشر أنه قد وجد عليه فقالوا : يا أبا نصر ، إنه لم يرد إلا خيرا فقال : سبحان الله ، هو سري كما سري ، وكان سري رحمه الله قد وجه إلى أحمد بن حنبل رضي الله عنه بمال فرده ، فجاء سري فكلمه بكلام من هذا العلم فعرفه فيه ما يدق من آفة الرد فقبل منه ولم يكن بعد ذلك يرد عليه شيئا . وحدثونا عنه أنه قال : انتهيت ذات يوم في سفر إلى نبات من الأرض وعند غدير ماء ، قال : وكنت جائعا فأكلت من الحشيش ، وشربت من ذلك الماء بكفي ، ثم استندت على ظهري ، ثم خطر ببالي أني إن كنت أكلت حلالا فاليوم ، فهتف بي هاتف يقول : يا سري زعمت أنك أكلت حلالا ، فالقوة التي بلغتك إلى ههنا من أين هي ؟ قال : فاستغفرت الله تعالى مما كان وقع في قلبي ، وكان شقيق البلخي رحمه الله يقول : إن المكاسب اليوم قد فسدت ، وإن التجارات والصناعات شبهات كلها ، لا يحل الاستكثار والادخار منهما لوجود الغش وعدم النصح ، قال : وإنما ينبغي للمسليمن أن يدخلوا فيها ضرورة ، وقال : الناس كقتلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لأنهم أعانوا على إماتة السنن ، ودرس طرق الأنبياء ، ومن أبطل سنن نبي فكأنما قتله هذا بقوله في سنة سبعين ومائة ، فإذا كان الأمر أيها المسلم الموقن بتوحيد الله ووعيده ، على هذا عند العلماء من السلف والأخيار من الخلف ، في ذلك الوقت ، فكيف بوقتك هذا ؟ وقد افترض عليك الزهد في الدنيا ، وقد وجب عليك الأخذ بالبلغة ، مما لابد منه من كل شيئ ، فإن استكثرت أو جمعت من مثل هذه الأشياء كان ذلك معصية ، وكل ما يظهره الله عز وجل لك من غير الأمور وبديهات المصائب ، فإنما هو تزهد لك في الدنيا إن فطنت لذلك ، وكل ما صرف عنك مثل هذا فهو خير ، وإن كرهت ، وفي الخبر : ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن ولو كان من حلال ، فإن كان لا بد فثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث نفس ، فقد صار الأكل
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٨٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٤٨٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي