الشيء حلالا في علم الله عز وجل ولو أنه أقدم على شيء بقلة مبالاة فلم يدعه ، فتناول شيئا على أنه حلال عنده كان مأزور السوء نيته وقلة ورعه ، وإن كان أصاب الحقيقة عند الله فهو أفضل وله أجران : أجر العلم ومقام التوفيق ، ومن قصد ترك العلم وأخطأ الحقيقة عند الله عز وجل فعليه وزران : وزر الجهل ونقص العصمة ، ومن عمل بعلم فأخطأ الحقيقة فله أجر واحد ، ومن عمل بجهل فأصاب الحقيقة فعليه إثم الجهل وهو معصوم في الفعل ، وحكى وهب اليماني مما نقل من الزبور أن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه السلام : قل لبني إسرائيل : إني لا أنظر إلى صيامكم ولا إلى صلاتكم ولكن أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي ، ذلك الذي أؤيده بنصري وأباهي به ملائكتي ، وقد كان بعض العلماء يقول لأهله : أرفقوا بدهن المصباح فإنما توقدون بلحمي ودمي ، قيل : وكيف ؟ قال لأنكم توقدون من كسبي ، وكسبي من ديني وديني من لحمي ودمي ، وقد كان يقال : من تفقد من أين يكسب الدرهم تبصر أين يضعه ، ومن لم يبال من أين اكتسب لم يبال فيما أنفقه ، وقد قال بعض العلماء لرجل رآه بطالا وكان ذا عيال قال له : احترف فإنه إذا كان لك كسب أكل عيالك دنياك ، وإن لم يكن لك كسب أكلوا دينك ، وروي أن بعض الزهاد وقعت منه قطعة فجعل يطلبها عامة يومه فقيل له : أنت قد زهدت في الدنيا كلها وأنت تطلب هذه القطعة هذا الطلب فقال : إن طلبي هذه القطعة من زهدي في الدنيا لأني لا أعتاض منها غيرها ، لأنها من حيث أعلم وأنا لا آكل إلا من حيث أعلم ، وقد كان بشر يقول : المال إذا اجتمع من الشبهات لا ينفق إلا في الشهوات ، وقال سري السقطي : لا يصبر على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات ، وفي الخبر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام فنهاه عنه فأعاد مسألته عنه فقال : إن لي غلاما حجاما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن كان لا بد فأعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك ، وفي الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال : لا تأكلوه ، وفي خبر آخر : إن كان جامدا فألقوها ، وإن كان ذائبا فاستصحبوا به ، وعن جماعة من علماء الكوفة : لا بأس بشحوم الميتة تطلى بها السفن ويدبغ بها الجلود . وقد روينا فيه حديثا مسندا ، فهذا حجة فيما ذكرناه من أن حكم الشبهات أن ينفق منها فيما لايطعم ولا يلبس إلا إن يضطر إليها فيتناول منها مقدار الحاجة ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بلبن فسأل عن أصله فأخبر به ، فسأل عن أصل أصله فأخبر به ، فلما رضيه شرب منه ، فهذا حكم الحلال أن تعرف عين الشيء ثم تعرف أصله ، فإذا صح لك أصله وأصل أصله سقط عنك ما وراء ذلك ، فإن لم تعلم رأى عين وأخبرك مسلم تقي أخباره لك مقام ذلك ،
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٧٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٤٧٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي