تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالتكسب الأكل للشهوات والقيام بحظوظ النفس من الرفاهية نقص ذلك من توكله وأخرجه من حقيقته ، فكان طريقا من طرقات الدنيا إلا أنه مباح ، وإن قصد بتكسبه التكاثر والحرص للجمع والمنع كان عاصيا بكسبه مخالفا لربه ، وهذا من أكبر طرق الهوى ، ثم إن لم يتكسب وصبر على الجوع ورضي بالقلة والفقر ، فإن رزقه يأتيه لا محالة لمجيء وقته ، وإن كان قليلا دون سعة ، ولكنه يحتاج إلى فضل صبر ، وحسن رضا ، وسكون نفس ، وطمأنينة قلب ، فإن وجد هذه المعاني فهذا هو التوكل ، وكان فاضلا في ترك التكسب بحسن يقينه وثقته برازقه وشغله بما هو أفضل وأنفع له في عاقبته ، وإن تشتت همته ، واضطربت نفسه ، وتكره قضاء ربه ، فأخرجه ذلك إلى الجزع والهلع والتبرم والشكوى ، فالتكسب لهذا أفضل وهو منقوص بتركه ، كذلك أيضا من أكبر الشكوى من علته وتسخط حكم ربه وتبرم وضجر وسطا على الناس ، وساء خلقه بمرضه فإن الأفضل لهذا أن يتداوى وهو ناقص بتركه . وروينا عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ، وأن تحمدهم على رزق الله ، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله ، إن رزق الله لا يجره حرص حريص ، ولا يرده كره كاره ، إن الله بحلمه وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين ، وجعل الغم والحزن في الشك والسخط .

| ذكر استواء شهادة المتوكل مع اختلاف ظهور الأسباب

ويستوي عند الخصوص بعين يقينهم ما جاءهم بواسطة أيديهم ، وأسباب كسبهم وما جاءهم بأيدي غيرهم وبغير كسبهم إذا كان المعطي عندهم واحدا والعطاء كله رزقا إذ كانت الأيدي ظروف العطاء فيستوي وكأن الظرف يدك أو يد غيرك ، وسواء كان الكسب كسبك أو كسب غيرك لك إذ جميعه رزقك ، ولأن لكل شيء حكما وفي كل شيء حكمة وبكل شيء نعمة ، قال الله تعالى : ( إرم ذات العماد ) ( التي لم يخلق منثلها في البلاد ) الفجر : 7 - 8 فأضافها إليه في الخلق بعد أن بنوها بأيديهم وفرغوا منها ، ومثل هذين أيضا يستوي عندهم ما ظهر بيد القدرة لا خلق فيه ولا واسطة به ، وما ظهر بأيديهم عن الحكمة وترتيب العرف ، لأن القدرة أيضا بمنزلة ظرف للعطاء ظهر العطاء بها ، فهي كأيدي العباد من يد الإنسان نفسه أو يد غيره ، إذ القدرة والحكمة خزانتان من خزائن الملكوت والملك ، فهذه المعاني الثلاث أعني ما ظهر عن يدك وتكسبك ، وما ظهر بيد غيرك ، وعن كسبه لك ، وما أظهرته القدرة عن غير عرف معتاد ولا واسطة مرت به ، هذا كله عند الموقنين سواء ، لا يترجح بعضه على بعض لرجحان إيمانهم وقوة يقينهم ونفاذ

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٤٤