الأنبياء أمرنا أن لا نأكل إلا طيبا ولا نعمل إلا صالحا ، وقال الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) البقرة : 172 ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أصل الشيء وأصل أصله ولم يسأل عما وراء ذلك ، لأنه قد يتعذر ولا يوقف على حقيقته ، ولأن أموال التجار والصناع قد اختلطت بأموال الأجناد ، وهم يأخذون ذلك بغير استحاق ، فكأنه من أكل المال بالباطل إذ قد أوقفوا نفوسهم ، وارتبطوا دوابهم في سبيل الهوى ، فصاروا يأخذون العطاء بغير حق ، ولا يملكون ذلك ، ثم ينتشر ذلك في أموال التجار واصناع وهم لا يميزون بين ذلك ولا يرغبون عنه لقلة التقوى وعدم الورع ، فلذلك غلب الحرام لأن الحلال إنما هو فرع للتقوى والورع ، إذا كثر المتقون وظهر الورعون كثر الحلال وظهر ، وإذا قلوا فشاء الحرام وانتشر فصار الحلال مستهلكا غامضا في الحرام لغربة الورعين وخفية المتقين ، وإنما كان الحلال في القرن الأول موجودا لوجود السلف الصالح ، وكان الناس ورعين وكانوا لا يأخذون ما ليس لهم بحق فكانوا متقين وكانوا يتركون بعض حقهم خشية دخول الشبهة عليهم ، فمن أجل ذلك كان الحلال كثيرا ، وقد حكى عن بعض فقهاء العراق أعرف أنه قال : لا أقبل شهادة شحيح ، قيل : ولم ؟ قال : الشح يحمله على استيفاء حقه ، وفي استيفاء حقه أخذه ما ليس له ، ثم قال : حدثني عطاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أته قال : ما استقصى كريم قط ، وتلا قوله عز وجل : ( عرف بعضه وأعرض عن بعض ) التحريم : 3 ، وفي الخبر : كما نترك سبعين بابا من الحلال مخافة باب واحد من الحرام ، وقال الحسن : أدركت من مضي يعرض على أحدهم المال الحلال فيقول : لا حاجة لي به ، أخاف أن يفسد على قلبي ، قد كانت الأئمة عدولا فكانت الجنود معاونين لهم على التقوى يأخذون عطاءهم بحق . وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكر الخيل : اختصرناه ، قال : والخيل لرجل وزر ، وهو الذي يربطها فخرا ورياء وسمعة ونواء على الإسلام ، فما أكلت وشربت في أجوافها حتى أبوالها وأرواثها وآثارها أوزار في ميزانه يوم القيامة ، وقد قال الله تعالى : ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) الصافات : 22 ، يعني وأشباههم وأعوانهم ، فقال الثوري رحمه الله : يقال يوم القيامة ليقم ولاة السوء وأعوانهم ، قال : فمن لاق لهم دواة أو برى لهم قلما أو حمل لهم لبدا أو أعانهم على أمر فهو معهم ، وجاء رجل إلى ابن المبارك فقال : إني خياط وربما خطت شيئا لبعض وكلاء السلطان فماذا ترى أكون من أعوان الظلمة ؟ قال : لست من أعوان الظلمة بل أنت من الظلمة إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الإبر والخيوط ، وكان بعض العلماء قد جلس في ديوان بعض الأمراء فكتب الأمير كتابا فقال : ناولني الطين أختم به الكتاب ، فامتنع فقال : ناولني الكتاب الذي كتبته حتى أنظر فيه ، فلم
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٣٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٤٣٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي