تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| الفصل الرابع والأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك وتعالى ، والصحبة والمحبة للإخوان فيه ، وأحكام المؤاخاة وأوصاف المحبين

: ذكر الله عز وجل عباده المؤمنين نعمته عليهم في الدين ، إذ ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا متفرقين ، فأصبحوا بنعمته إخوانا بالألفة متفقين ، وعلى البر والتقوى مضطجعين ، ثم ضم التذكرة بالنعمة عليهم إلى تقواه ، وأمر بالاعتصام بحبله وهداه ، ونهى عن التفرق إذ جمعتهم الدار ، وقرن ذلك بالمنة منه عليهم ، إذا أنقذهم من شفا حفرة النار ، وقد جعل ذلك كله من آياته الدالة عليه سبحانه وتعالى وسيله الواصلة بالهداية إليه ، فقال في جمل ما شرحناه : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) آل عمران : 102 ( ولا تفرقوا ) ( ولعلكم تهتدون ) آل عمران 103 وقد كانت المؤاخاة في الله تعالى والصحبة لأجله والمحبة له في الحضر والسفر طرائق للعاملين ، في كل طريق فريق ، لما في ذلك من الفضل ، ولما جاء فيه من الأمر والندب ، إذ كان الحب في الله عز وجل من أوثق عرى الإيمان ، وكانت الألفة والصحبة لأجله والمحبة والتزاور من أحسن أسباب المتقين ، وقد كثرت الأخبار في تفضيل ذلك والحث عليه ، وليس قصدنا الجمع لما روي لميلنا إلى الإيجاز في كل فن ، ولكن نذكر الأفعال المستحسنة وما تعلق بها مما لا بد منه ، على أن رأي التابعين قد اختلف في التعريف ، فمنهم من كان يقول أقلل من المعارف ، فإنه أسلم لدينك وأقل غدا لفضيحتك ، وأخف لسقوط الحقوق عنك ، لأنه يقال : كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق ، وكلما طالت الصحبة توكدت المراعاة ، وقال بعضهم : هل رأيت شرا إلا ممن تعرف ، فكلما نقص من هذا فهو خير ، وقال بعضهم : أنكر من تعرف ولا تتعرف إلى من لا تعرف ، وممن مال إلى هذا الرأي : سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم ، وداود الطائي والفضيل بن عياض ، وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط ، وحذيفة المرعشي وبشر الحافي ، وقال أكثر التابعين باستحباب كثرة الإخوان في الله عز وجل ، بالتأليف والتحبب إلى المؤمنين ، لأن ذلك زين في الرخاء ، وعون في الشدائد ، وتعاون على البر والتقوى ، وألفة في الدين ، وقال بعضهم : استكثر

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٣٥٩