من ماله مقدار ليلة ، وفي الحديث : أيما أهل عرضة أو قرية بات فيهم رجل من المسليمين جائعا فقد برئت منهم الذمة ، وكان الثوري يسأل في البوادي من الحجاز إلى صنعاء اليمن ، فقال : كنت أذكرهم حديث عبد الله هذا في الضيافة ، قال : فيخرجون إلي طعاما فآكل شبعي وأترك ما بقي ، والمسافر هو ابن السبيل الذي أوجب الله حقه في الأموال ، لأن السبيل هو الطريق ، وراكبها ابنها ، لأنه صاحب طريق وسالكه ، وليس عليه أيضا في الثواء عن أخيه المسلم ثلاثة أيام شيء ، لأنه مقيم على ما أبيح له . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الضيافة ثلاثة ، فما زاد فهو صدقة ، فلا يقيمن فوق ثلاث ، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ولايقم فوق ثلاث فيحوجه أن يضيق عليه ، وتأويل قوله عندي فما زاد فهو صدقة ، أي مروه لامندوب إليه ، ولا مأمور به ، فإن اختار الصدقة ولم ينزه نفسه عنها فهو أعلم ، أي وما كان في الثلاث فهو حق له وواجب على مضيفه ، فإن سألوه الأقامة فوق ثلاث أو علم أنهم يحبون الإقامة فلا بأس بذلك ، وقد تأول بعض الصوفية قول النبي صلى الله عليه وسلم : فما زاد فوق ثلاث فهوصدقة ، إنه صدقة على أصحاب المنزل من الضيف ، تصدق عليهم لإقامته ، لأنه مثوبة لهم ، ولا يعجبني هذا التأويل ، وليحافظ على صلاته في أوقاتها بحسن طهارة وجميل أداء ، وليحفظ قلبه أن يتشتت ، فإن السفر قد يشتت هم المريد ، ويجمع هم العارفين ، ويشغل قلوب الضعفاء ، ويروح قلوب الأقوياء ، وهو محنة وكشف لأخلاق العبد ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرجل الذي زكى عنده رجلا لما سأله عنه ليقبل شهادته فقال له : هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ؟ فقال : لا ، قال : ما أراك تعرفه ، وعن بعض السلف : إذا أثنى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في صلاحه إذ ذاك ، لأن السفر يسيء الأخلاق ، ويكثر الضحر ، ويخرج مكامن النفس من الشح والشره ، وكل من صلحت صحبته في السفر صلحت صحبته في الحضر ، وليس كل من صحب في الحضر صلح أن يصحب في السفر ، وقال بعض السلف : ثلاثة لا يلامون على الضجر ، الصائم ، والمريض والمسافر ، ولا ينبغي أن يفارقه من الأسباب أربعة ، الركوة ، والحبل ، والإبرة بخيوطها والمقراض ، وكان الخواص من المتوكلين ، ولم تكن هذه الأربعة تفارقه ، وكان يقول : ليست من الدنيا ، وبعض الصوفية كان يقول : إذا لم يكن مع الفقير ركوة وحبل دل ذلك على نقصان دينه ، وكان جماعة من أرباب القلوب وأهل المعاينة بالأحوال إذا استوطنت نفوسهم مصر أو سكنت إلى موضع عملوا في الغربة لرفع العادة وإيثارا للقلة والذلة ، وقالوا : لا يخلو المؤمن من قلة أو علة أو ذلة ، وكانوا إذا خافوا الاستشراف إلى الخلق خرجوا في
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٤٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٣٤٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي