| 39 ، وقال تعالى : ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) العلق : 6 - 7 ، فوصف الأغنياء بالطفو وأوقع عليهم الحجة ، وقال في وصف الفقراء : ( يحسبهم الجاهل أغنياء ) البقرة : 372 ، فلولا أن الغنى مفضول ما نسب من وصفهم به إلى النقص ، والغنى باب الدنيا وأصل التفاخر والتكاثر المذموم ، والفقر باب الآخرة وأصل الزهد والتواضع المحمود ، وعند أهل المعرفة : إن الغنى من الصفات التي لا ينبغي أن ينازع فيها ومكروهة لمن ابتلي بمعانيها ، وأنه مثل العز والكبر وحب المدح والذكر ، فمن أحب شيئا من ذلك وطلبه فقد نازع الله تعالى لبسته ، وتركوا ذلك لأجل الله عز وجل لأنه من صفات الربو بية ، وسلموه له خوفا منه أو حبا له ، وإن الفقر من صفات العبودية مثل الرجاء والخوف والتواضع والذل ، فمن طلب ذلك وأحبه فقد تحقق بوصف العبودية ، والله سبحانه وتعالى يحب أن يتحقق العبد بأوصافه لأنه عبد ذليل ، ويكره أن ينازعه معنى صفاته لأنه ملك جليل ، ومن أحب الغنى دل على حبه البقاء ، وكان سهل يقول : حب الغنى شرك في الربوبية ؛ أي لأن البقاء من صفات الباقي ، ومن فضل الغنى على الفقر دل على حبه للغنى فظهر بذلك محبة الأغنياء لأن حب الوصف دليل حب الموصوف ، وحب الشيء أيضا دليل على بغض ضده ، فإذا أبغض الفقراء أبغض الفقر ، وبغض الفقر لحب الغنى ، فقد اختار الرغبة على الزهد ، والكثرة على القلة ، والعز في الدنيا على الذل ، وفي هذا إيثار الدنيا على الآخرة ، وهدم الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين في تفضيل الفقر وتشريف الأغنياء ، ويقال : كان الفقر شرف المؤمن وكان الفقراء فيما سلف في المؤمنين بمنزلة الأشراف فيكم اليوم ولا خفاء بفساد هذا القول ونقصه عند العلماء بالله تعالى ، ثم إن الفقراء على منازل ثلاث ؛ فقراء الأغنياء وهم السؤال عند الفاقات ، الكافون نفوسهم مع الكفاية ، القانعون بالكفاف ؛ وهم طهرة الأغنياء ، ومزيدهم من الله تعالى ، وهم الذين جعل الله لهم في أموال الأغنياء سهما ، لأن منهم السائل والمحروم ، ومنهم القانع والمعتر ، والطبقة الثانية فقراء الفقراء وهم المتحققون بالفقر ، المختارون له ، المؤثرون إياه على الغنى ، لعظم معرفتهم بعظيم فضيلة أهل التعفف والصيانة ، لا يبتذلون للسؤال ولا يعرضون في المقال ، راضون بالميسور من مولاهم ، تعرفهم إذا رأيتهم سيماهم : يحسبهم الجاهل أغنياء لترك المسألة والشكوى ، ومنهم المحروم حرم السعي للدنيا ، ومنهم المحارف انحرفت عنه الأسباب ، ومنهم القانع قنع بما يصل إليه من غير امتهان وتبذل فيه ، ومنهم المعتر رضي عن الله عز وجل بما يعتريه ، وقيل : إنه ما أعطى أحد شيئا من الدنيا إلا قيل له خذه على ثلاثة لثلاث ؛ شغل ، وهم ، وطول حساب ،
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٢٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٣٢٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي