من متاع بقال يأخذ من هذه الجونة تينة ومن هذه فستقة فقال له هاشم الأوقص : يا أبا سعيد تأكل من متاع الرجل بغير إذنه ؟ فقال : يالكع أما قرآت آية الأكل ؟ ثم تلا عليه : ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ) النور : 61 ، إلى قوله تعالى : ( أو صدىقكم ) النور : 61 ، ثم قال الحسن الصديق : من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب فإذا كان كذلك فلا يأذن له في ماله ، وجاء قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة فجعلوا يأكلون ما فيها فدخل الثوري فجعل يقول : ذكرتموني أخلاق السلف ، هكذا كانوا ، وزار قوم بعض التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم ، فذهب إلى منزل بعض إخوانه فلم يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك فحمله كله فقدمه إلى أصحابه وقال : كلوا ، فجاء رب المنزل فلم ير الطعام ، فسأل عنه فقيل له : قد جاء فلان فأخذه ، فقال : قد أحسن ، فلما لقيه قال : يا أخي إن عادوا فعد ، وقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحما تصدق به على بريرة من غير أن يستأذنها ، ولم تكن حاضرة ، لعلمه أنها تسر بذلك ، وقال : إن الصدقة قد بلغت محلها هو عليها صدقة ولنا هدية ، وقال صلى الله عليه وسلم : رسول الرجل إلى الرجل إذنه أي قد علم بإذنه له في الدخول عليه فأغناه عن الاستئذان ، ففي تدبر فعله عليه السلام أن من علمت كراهته لأكلك من طعامه أن لا تأكل وإن أذن لك بقوله ، فتدبر عمل بعض السلف صنيعا ، فدعا رجلا فلم يصادفه الرسول ، ثم أعلم وقد انصرف الناس من عنده فقصد منزله ، فدق عليه الباب ، فخرج إليه الرجل فقال : هل من حاجة ؟ قال : إنك دعوتني فلم يتفق ذلك فقد جئت الآن لماعلمت ، فقال : قد انصرف الناس ، قال : فهل بقي منه بقية ؟ قال لا ، قال : فكسرة ، إن بقيت ، قال : فلم يبق شيء ، قال : فالقدور أمسحها ، قال : قد غسلناه فانصرف بحمد الله تعالى فقيل له في مسألته عن ذلك فقال : وقد أحسن الرجل دعانا بنية فنفس ؛ هذا في الضعة والذلة وسقوطها من مراتب الأنفة والعزة تشبه نفس ابن الكديني ، وهو أستاذ أبي القاسم الجنيد دعاه صبي إلى دعوة أبيه فرده الأب أربع مرات في دعوة واحدة وهو يرجع في كل مرة وهو يرده ؛ فهذه نفوس مطمئنة بالتوحيد ، مشاهدة بالبلوى من المولى المبلى للعبيد ، مذللة بالذلة ، موضوعة على الضعة ؛ وهذا طريق مفرد لأفراد وحال مجرد لآحاد ، والمتكبرون لا يجيبون الدعوات ؛ وهم عند بعضهم من أنفة النفوس ، قال قائلهم : أنا لا أجيب دعوة ، قيل : ولم ؟ قال : انتظار المرقة ذل ، وقال آخر : إذا وضعت يدي في قصعة غيري ذلت له رقبتي ، ومنهم من لم يكن يجيب الفقير لكبر في نفسه ويجيب الأغنياء لعظمهم في عينه ، ومن أبناء الدنيا الموصوفين بها من لايجيب إلا نظراءه وأشكاله من مثل طبقته
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٣١١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٣١١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي