تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضدها من الترك لها والزهد فيها ؛ فليس هذا طريق الموقنين ولامسلك الصادقين هذا وقد عرج طريق المسالك وسلك سبيل المهالك فإياك أن تترك محجة الطريق فتقع في حيرة المضيق . حدثنا أن عابدا من بني إسرائيل انتهى في سياحته إلى أرض لقوم رأى في وسطها طريقا مستطرقا يسلك فيه السابلة فقال : هذه أرض لقوم كيف أسلكها ؟ وشق عليه أن يجاوز الأرض فيبعد عليه طريقه فتفكر وقال : هذا طريق مسلوك لا بأس علي أن أسلكه فسلكه ، فلما خرج من تلك الأرض عوقب على ذلك ونسي ذنبه فجعل يستكشف فقيل له : لأنك سلكت إلى غير طريق ودخلت في حرث قوم بغير إذنهم ، فقال : يارب معذرة إلىك إني رأيته قد جعل طريقا فأوحى الله عز وجل إليه ، وكلما اتخذ الظالمون طريقا جعلته إلي سبيلا ، فمن سلك طريق ظالم بغرور لم يكن في ذلك معذورا وأوقعه في الحيرة والغرور فهلك وأهلك من اقتدى به ؛ وهذا طريق متصنع جاهل متطرف بذلك إلى الدنيا ، متشوف عند الناس بترك الشهوات ، مظلم التوحيد في الوجد ، ضعيف اليقين في غيبة عن العيون ، وقد كان من شأن الصادقين من السلف اشتراء الشهوات بأنفسهم وتعليقها في منازلهم يظهرون للناس شعار الراغبين وهم فيها عند الله عز وجل من الزاهدين ، لا يأكلونها ، إنمايريدون بذلك إسقاط منزلتهم من قلوب الجاهلين ، وإخفاء حالهم عن الناظرين وليصرفوا عنهم قلوب الغافلين ، يقطعون بذلك المقامات ويشترون به المعاملات ، لأن هذا مقام من زهد في الأشياء وأخفى زهده ، فمن نهاية إخفاء الزهد إظهار ضده واستشعار المزهود فيه ، ثم لا يتناول ولايتمتع به فيكون هذا أشد على النفس من المجاهدة ، لأنه حمل عليها ثقلين : ثقل المنع من الحظ وثقل سقوط المنزلة عنه ، فعدمت النفس لذة المتعة به ، وفقدت أسباب المنزلة بتركه فجرعها كأس الصبر مرتين ؛ فهذا حال الصادقين في تلك الشهوات ، وطريق الأقوياء من أهل الإرادات ، وهو يشبه فعل الزاهدين في باب العطاء ، إن منهم من كان يأخذ العطاء علانية ثم يخرجه سرا فيكون له في الأخذ سقوط الجاه بظهور الرغبة ، ويكون له في الإخراج معاملة السر بحقيقة الزهد فلا هو متع نفسه بالجاه مع الرد ولا هو أنالها حظها بتناوله مع الأخذ ، فهذا أشد شيء على النفس ، وهو طريق علماء الزهد ، ومن سلكه أخرجه إلى مقام الصديقين ، وهذان طريقان قد درسا وقد عفا أثرهما في وقتنا هذا لا يسلكه إلا من عرفه الفرد بعد الفرد والسابلة من القراء على طرقات التصنع والتزين . وروي عن جعفر الصادق رضوان الله عليه : إذا قدمت إلي شهوة نظرت إلى نفسي ، فإن أظهرت شهوتها لها أطعمتها منها ، وكان ذلك أفضل من منعها ، وإن أخفت شهوتها

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٢٩٤