إلى أن طوى خمسين يوما ، فقال : أزيدك أيضا ، فطوى إلى تمام الستين فعجب الراهب منه واعتقد فضله وفضل دينه ، وقال : ما كنت أظن أن أحدا يجاوز فعل المسيح عليه السلام ولكن هذه أمة تشبه الأنبياء في العلم والفضل ، فكان سبب إسلامه ، وممن كان يطوي أربعين يوما إبراهيم التميمي وحجاج بن قرافصة ، فأما الثلاثين والعشرين فقد حكي عن عدد كثير منهم : سهل بن عبد الله وجماعة من البصريين ، وأما من يأكل في الشهر أكلتين وثلاثة وأربعة فهم كثير من الشاميين والجزريين ، وإن أحب المريد أن يقسم فطره قسمين فيأكل رغيفا عند إفطاره في أول الليل فيسكن بذلك جوعه ، ويأكل رغيفا عند السحر يستعين به على صومه فحسن ، وإن أحب عمل في تأخير الإفطار على رياضة ، ووقف عند السحر فلم يجاوزه ، فيكون أكله سحرا فيحصل له بذلك خمسة أشياء جوع النهار للصائم ، وجوع الليل للقائم ، وخلو القلب لفراغ المعدة ، ورقة الفكر واجتماع الهم لخلو القلب ، وسكون النفس للمعلوم فلا ينازعه قبل وقته ؛ وهذا أوسط الطرقات وأحبها إلي وهو طريق السائرين . وفي حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة قال : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامكم هذا قط ، وإن كان ليقوم حتى تزلع رجلاه ، وما واصل وصالكم هذا قط غير أنه قد أخر الفطر إلى السحر . وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السحر ، فإن كان المريد يصوم يوما ويفطر يوما ؛ وهو أعدل طرقات الصيام أيضا ، أكل يوم فطره بعد الظهر وليلة صومه عند الفجر ، فإن لم يفعل فليأكل يوم فطره نصف أكله بالأمس فكأنه صائم ، فإن لم يفعل اضطراب جسمه وداخله الفتور في حاله ، ومن لم يكن له معلوم فلا بأس أن يأكل شبعه ثم يتربص حتى ينتهي جوعه ؛ فعلامة جوعه ، أن لا تختار نفسه الخبز دون غيره من المأكولات ، فإن اختارت نفسه الخبز ففيه بقية من الشبع ، وعلامة شبعه بعد الأكل أن يأكل الخبر البحت على شهوة ، فإذا تاقت نفسه إلى الأدم فقد ابتدأ شبعه ، فإن تخيرت الأدام فهو شبعان ، وترك المعلوم في الطعام طريق صوفية البغداديين ، والوقوف مع المعلوم طريقة البصريين ، ولما قدم صوفية أهل البصرة على أبي القاسم الجنيد بعد وفاة سهل رحمه الله تعالى قال لهم : كيف تعملون في الصوم ؟ فقالوا : نصوم بالنهار فإذا أمسينا قمنا إلى قفافنا ، فقال : آه آه لو كنتم تصومون بلا قفاف كان أتم لحالكم ؛ أي لا تسكنون إلى معلوم ، فقالوا : لا نقوى على هذا ولعمري أن طريق البغداديين بترك المعلوم من المطعوم أعلى ؛ وهو طريق المتوكلين من الأقوياء وطريقة البصريين بالمعلوم ، والتوقيت أسلم من آفات النفوس وأقطع للتشرف والتطلع ؛ وهو طريق المريدين والعاملين .
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٢٨٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٢٨٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي