وقد كان أحمد بن حنبل رحمه الله أمر أبا بكر المروزي أن يعطي بعض الفقراء شيئا فيه فضل عما كان استأجره عليه فرده ، فلما ولي قال له أحمد : ألحقه فادفعه فإنه يأخذه قال : فلحقه المروزي فدفعه إليه فأخذ ، فسأل أحمد عن ذلك : كيف رد في الأول وأخذ في الثاني ؟ فقال : إنه كان قد استشرف لذلك فرده ، وقد أحسن فلما انصرف أيست نفسه منه فلذلك قبل ، وقد كان الخواص إذا نظر إلى عبد في العطاء أو خاف اعتياد النفس له ، لم يقبل منه شيئا ، وكان يقول : صوفي لا يكون بحريف ، وهذا كله يحسن في حال المنفرد ، فأما ذو العيال فالأمر عليه واسع من ذلك ، ولابأس أن يأخذ لعياله كما أخذ لأجل غيره من الناس ، لأن عياله عيال الله عنده ، قد وكله بهم وأجرى أرزاقهم على يده ، فإن طلب لهم وحث على استخراج حقهم مما أوجب الله لهم لم ينقص ذلك من حاله ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع وبين عبد الرحمن بن عوف ، فقال له سعد : أشاطرك مالي وأهلي ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلوني على السوق ، فعمل يومه ذلك فراح بشيء من سمن وأقط ، فلو كان التكسب في الأسواق ينقص التوكل لم يختر عبد الرحمن وهو إمام الأئمة ما ينقص توكله ، ولكنه أحب إدخال المشقة على نفسه وكره التنعم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : إياك والتنعم ؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ، ورؤي فضالة بن عبيد أشعث أغبر جافيا وهو أمير مصر ، فقيل له : لم أنت هكذا ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن الإرفاه وأمرنا أن نحتفي أحيانا ، ثم اختار عبد الرحمن أيضا إيثار أخيه بما أبره به رعاية لحق إخوته ولأن الله تعالى قد ندب إلى الإيثار ووصف به الأحباب ، وأعلى من عبد الرحمن مقاما إمام الأئمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، لما بويع بالخلافة أخذ الأثواب تحت حضنه ودخل السوق ينادي : هذا في أتم أحواله ، حين أهل للخلافة وأقيم مقام النبوة ، حتى اجتمع المسلمون فكرهوا له ذلك فقال : لا تشغلوني عن عيالي ، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع ، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين ، لا وكس ولا شطط فلما رضوا جميعا بذلك وأنفقوا عليه ، ترك السوق لشغله بهم وبأمورهم ؛ ألا تراه كيف آثر القيام بحقه وما أوجب الله عليه لأهله ، وتواضع لله في حال رفعته ، وأسقط الخلق عن عينه ، حتى كره المسلمون ذلك فتركه بحكم ثان ، فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأول ، حتى ينهج الله له طريقا آخر فيسلكه بطريق ثان ، وقد كان بعض علماء السلف يجمع إليه الناس للكلام عليهم فكان يقول : لو أعلم
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٢٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٢٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي