وقال بعضهم : إني لأستعد النية في كل شيء قبل الدخول فيه حتى في أكلي ونومي ودخولي الخلاء ، والنية في هذا التقوي على الطاعة والاستعانة به على الخدمة لأن النفس مطيتك إن قطعت بها قطعت بك ونية التطهر من التحلي لأجل الدين فكان الناس لشدة تفقدهم وحسن رعايتهم صادقين في ترك كثير من أعمال البر لضعف النية ويعملون في أحكام الأصل ، قال ابن عيينة : إنما حرموا الوصول لتضييع الأصول ، والنية أصل الأصول لأنها فرض الفرائض ، وقال بعضهم : إنما أبعد القلب من الله عز وجل مظاهر أعمال الجوارح بغير مواطأة من القلب بصحة القصد ؛ يعني بذلك نقص الإخلاص بها لأجل الله تبارك وتعالى ، فالنكاح من معظم شأن الدين فنيته فيه أن لا يتزوج المرأة لجمالها ولا لمالها ولا لحسنها بل لدينها وعقلها ، ثم ينوي السنة لها والعفة والتحصين لهما ، ويقنع بالمرأة الدون عن غيرها . وفي الخبر : من نكح لله عز وجل وأنكح لله تعالى استحق ولاية الله تعالى ، وأفضل الأعمال ما دخل فيه لله عز وجل وخرج منه لله ولم يعتوره بعد ذلك علة ، وأعلى من هذا من دخل في الأعمال بالله عز وجل وثبت فيها مع الله وخرج منها بالله تعالى ، وهذا مقام الموحدين من الموقنين والعارفين ، فأصح الأعمال وأخلصها ما كان لله تبارك وتعالى هو الأول في أولها ، ومع العامل في أوسطها ، وللعبد عنده فيها ، والله تعالى هو الآخرة عند آخرها ، ثم لايظهرها بعد ذلك ولايتظاهر بها ولايطالع عوضا عنها من الكبر الأكبر ، بل ينساها ويشتغل بذكر مولاه عنها ، والقعود في المساجد من أفضل شأن الدين وفضائل أعمال المتقين ، فليكن له فيه عشر نيات منها زيارة مولاه عز وجل في بيته ، كما روي : من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور إكرام زائره ، ومنها انتظار الصلاة بعد الصلاة ، كما روي في معنى قوله تعالى : ورابطوا وهي المرابطة ومنها كف سمعه وبصره وترهبه في تألهه ، كما روي : رهبانية أمتي القعود في المساجد ، ومنها العكوف وحقيقته عكوف الهم على القلب ، وعكوف السر بالتأله إلى الله عز وجل ، ومنها ذكر الله تعالى واستماع ذكره والتذكير به ، كما روي : من غدا إلى المسجد يذكر الله تعالى ويذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله ، ومثل ذلك إذا جلس ليعلم علما أو يتعلمه كان أيضا كالمجاهد ، أو جلس لاستفادة أخ في الله عز وجل أو لتنزل رحمه الله أو لترك الذنوب للخشية والحياء ، كما روينا في حديث الحسن بن علي عليهما السلام : من أدمن الاختلاف إلى المساجد رزقه الله تعالى إحدى سبع خصال : أخا مستفادا في الله تعالى ، أو رحمة مستنزلة ، أو علما مستظرفا ، أو كلمة تدله على هدى أو تصرفه عن ردى ، أو ترك الذنوب خشية أو حياء منه ، فإخلاص النية هو بخروج أضدادها من القلب وعن القصد والهمة وإن كثر أعداده
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٢٦٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٢٦٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي