تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخلاق الجبابرة على أخلاق المؤمنين ، لبعدهم من مشاهدة اليقين ولاستيلاء أخلاق النفس عليهم ، ثم إن نفوسهم مع علمهم أن الخلق والأرض كله لله عز وجله ، وأن الحمد والملك له ، قد تطمع في غير الله وترجو سواه ، وقد تضطرب بجبلتها عن أثقال الحقائق ، وقلوبهم لا تطمئن بل تنزعج عند الابتلاء بالمصائب والفاقات ، ولاتصبر للخالق ، وإن ألسنتهم قد تسبق بالمدح والفرح مع رؤية الأواسط أو بالذم والأسى على فوت العطاء لوجود الغفلة وذهابهم عن مشاهدة ما يعلمون ، فهذا دليل نقص توحيدهم وضعف يقينهم ، وإن معرفتهم معرفة سمع وخبر لامعرفة شهادة وخبر ، وقد شركهم الموقنون بتسليم ذلك لله في العلم والقدرة وإثبات الأواسط والأسباب لمجاري الحكمة وعود الثواب والعقاب على الخليقة ، ولكن زادوا عليهم بحسن اليقين وقوة المشاهدة وجميل الصبر وحقيقة الرضا ، فسكنت القلوب واطمأنت النفوس عند النوازل والبؤس ، وثبتوا في الإبتلاء لشهود المبلي يدبر الخلائق كيف شاء ، فحصل لهم في اليقين وحال من التوكل ونصيب من الرضا ، وخرج أولئك من حقائق هذه المعاني ودخلوا في عمومها ، ودخل عموم المؤمنين مع الموقنين في فرض التوكل ، قد جاوزهم الموقنون فارتفعوا عليهم وعلوا في فضله ووقف العموم ونكصوا عن العلو لقعود اليقين بهم وحجب الأسباب لهم ، وسبق المقربون إلى الفضل ، ويؤت كل ذي فضل فضله ، هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون ، وقال بعض العلماء : احتجب عن العموم بالأسباب فهم يرونها ، وحجب الأسباب بنفسه عن الخصوص فهم يرونها ولا يرونها ، وحدثونا عن سري السقطي قال : ثلاث يستبين بهن اليقين ، القيام بالحق في مواطن الهلكة ، والتسليم لأمر الله عند نزول البلاء ، والرضا بالقضاء عن زوال النعمة ، وقال يوسف بن أسباط قبله : كان يقال : ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه ، من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى باطل ، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له .

| ذكر التكسب والتصرف في المعايش

ولا يضر التصرف والتكسب لمن صح توكله ولايقدح في مقامه ولا ينقص من حاله قال الله سبحانه : ( وجعلنا النهار معاشا ) النبأ : 11 ، وقال تعالى : ( وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ) الأعراف : 10 وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أحل ما أكل العبد من كسب يده وكل بيع مبرور ، وقد كان الصانع بيده أحب إليهم من التاجر ، والتاجر أحب إليهم من البطال ، وقال ابن مسعود : إني لأكره أن يكون الرجل بطالا ليس في عمل دنيا ، ولا في عمل آخرة ، ولأن التوكل من شرط الإيمان ووصف الإسلام ، قال الله تعالى : ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) يونس : 84 ، فاشترط في الإيمان به والإسلام له التوكل عليه ، فإن كان حال المتوكل التصرف فيما قد وجه فيه ودخل في الأسباب وهو ناظر إلى المسبب في تصريفه ، معتمد عليه واثق به في حركته ، متسبب فيما يقلبه فيه مولاه ، متعيش

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٢٤