| الفصل الخامس والثلاثون فيه ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى والحكم وافتراقهما في التفصيل والاسم
وأن كل مؤمن مسلم ، وتحقيق القول بالعمل ، وإبطال مذهب الجهمية والكرامية والحرورية ، وبيان مذهب أهل السنة والجماعة ، وفقنا الله تعالى لذلك ، قال قائلون : الإيمان هو الإسلام وهذا قد أذهب التفاوت والمقامات ، وهذا يقرب من مذهب المرجئة وقال آخرون : إن الإسلام غير الإيمان ، وهؤلاء قد أدخلوا التضاد والتغاير وهذا قريب من قول الإباضية ، فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح وتفصيل ، فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم ، فشهادة الرسول غير شهادة التوحيد ؛ فهما شيئان في الأعيان وإحداهما مرتبطة بالأخرى ؛ فهما كشيء واحد ، لا إيمان لمن لا إسلام له ، ولا إسلام لمن لا إيمان له ، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه ، ولا بد للمسلم من إيمان به يحق إيمانه ، من حيث اشترط الله سبحانه وتعالى للأعمال الصالحة الإيمان ، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة ، فقال في تحقيق ذلك : ( فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه ) الأنبياء : 94 ، وقال في تحقيق الإيمان بالعمل : ( ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ) طه : 75 ، ومن كان ظاهره أعمال الإسلام لا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب ، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة ، ومن كان عقده الإيمان بالغيب لا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام ؛ فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد ، ومن كان مؤمنا بالغيب مما أخبر به الرسول عن الله سبحانه عاملا بما أمر به فهو مؤمن مسلم ، ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز أن لا يسمى مسلما ، ولجاز أن لا يسمى كل مسلم مؤمنا بالله تعالى ورسله وكتبه ، ومثل الإيمان من الأعمال كمثل القلب من الجسم ، لا ينفك أحدهما من الآخر ، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له ، ولا ذو قلب لا جسم له ؛ فهما سببان منفردان ، وفي المعنى والحكم متصلان ، ومثلهما أيضا مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة لا يقال حبتان لتقارب وصفيهما ، فكذلك أعمال الإسلام من الإيمان ، الإسلام هو ظاهر الإيمان