تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن السعي فيما لم يؤمر به ولم يندب إليه من غير أعمال البر ، فمن صام تطوعا بهذه الجوارح الست وأفطر بجارحتين : الأكل والشرب والجماع ؛ فهو عند الله تعالى من الصائمين في الفضل لأنه من الموقنين الحافظين للحدود ، ومن أفطر بهذه الست أو ببعضها وصام بجارحتين : البطن والفرج ، فما ضيع أكثر مما حفظ ؛ فهذا مفطر عند العلماء صائم عند نفسه ، وقد قال أبو الدرداء : أيا حبذا نوم الأكياس كيف يعيبون قيام الحمقى وصومهم ، ولذرة من تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين ، ومثل من صام عن الأكل وأفطر بمخالفة الأمر مثل مسح كل عضو ، فصلاته مردودة عليه لجهله ، ومثل من أفطر بالأكل والجماع وصام بجوارحه عن النهي مثل من غسل كل عضو مرة واحدة وصلى ، فهو تارك للفضل في العدد إلا أنه مكمل للرضى بحسن العمل ، فصلاته متقبلة لأحكامه للأصل وهو مفطر للسعة صائم في الفضل ، ومثل من صام من الأكل والجماع وصام بجوارحه الست عن الآثام ، كمثل من غسل كل عضو ثلاثا ثلاثا ، فقد جمع الفرض والفضل وأكمل الأمر والندب ؛ فهو من المحسنين ، وعند العلماء من الصائمين ، وهذا صوم الممدوحين في الكتاب الموصوفين بالذكر من أولي الألباب ، ومن فضائل الصوم أن يجتنب من حظوظ هذه الجوارح الشبهات من الأشياء وفضول الحلال ، ويرفض الشهوات الداعية إلى العادات ، ولا يفطر إلا على حلال متقللا منه ، فبذلك يزكو الصيام ، ولا يقبل امرأته في صومه ولا يباشرها بظاهر جسمه فإن ذلك إن لم يبطل صومه فإنه ينقصه وتركه أفضل ، إلا لقوي متمكن مالك لأربه ، وليقل نومه بالنهار ليعقل صومه بعمارة الأذكار ، وليجد مس جوعه وعطشه ، وقد كانوا يتسحرون بالتمرتين والثلاث وبالحبات من الزبيب والجرعة من الماء ، ومنهم من كان يقضم من شعير دابته التماسا لبركة السحور ، وليكثر ذكر الله تعالى ، وليقلل ذكر الخلق بلسانه ، ويسقط الاهتمام بهم عن قلبه ؛ فذلك أزكى لصومه ، ولا يجادل ولا يخاصم وإن شتم أو ضرب لم يكافئ على ذلك لأجل حرمة الصوم ولا يهتم لعشائه قبل محل وقته ، يقال : إن الصائم إذا اهتم بعشائه قبل محل وقته أو من أول النهار كتبت عليه خطيئة وليرض باليسير مما قسم له أن يفطر عليه ويشكر الله تعالى عز وجل كثيرا عليه . ومن فضائل الصيام التقلل من الطعام والشراب ، وتعجيل الفطر ، وتأخير السحور ، وليفطر على رطب إن كان وإلا على تمر إن وجد فإنه بركة ، أو على شربة من ماء فإنه ظهور . هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يفطر على جرعة من ماء ، أو مذقة من لبن ، أو تمرات قبل أن يصلي ، وفي الخبر : كم من صائم حظه من صيامه الجوع والعطش قيل : هو الذي يجوع بالنهار ويفطر على حرام ، وقيل : هو الذي يصوم عن الحلال من الطعام ويفطر بالغيبة من لحوم الناس ، وقيل : هو الذي لا يغض بصره ولا يحفظ لسانه عن الآثام ويقال : إن العبد إذا كذب ، أو اغتاب ، أو سعى في معصية في ساعة من صومه ، خرق

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ١٨٨