تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنقصك من قسمة الله التي قسم لك ، واعتبر رزقك بخلقك ، فإن استطعت أن تزيد في خلقك بحيلتك فإنك إذا تزيد في رزقك ، وإلافاعلم أن الله هو الذي عدل الخلق وقسم الرزق ، فلن تستطيع أن تزيد في أحد منها ، فإن منهم المحتال الجلد البطوش ولا يزداد إلا فقرا ، ومنهم المعيي الواهن المهين ولا يزداد ماله إلا كثرة ، ولو كان من الحيلة لسبق القوي الضعيف إلى كل شيء ، ولكن الله يخلق ويرزق ولا يملك العباد من ذلك شيئا ، وهكذا حكى أن بعض الأكاسرة سأل حكيما في زمانه فقال : ما بالي أرى العاقل محروما والأحمق مرزوقا ؟ فقال : أراد الصانع أن يدل على نفسه ، ولو كان كل عاقل مرزوقا ، وكل أحمق محروما ، لوقع في العقول ، إن العاقل يرزق نفسه والأحمق حرم نفسه فلما رأوا الأمر بخلاف هذا علموا أن الصانع هو الرازق . وروينا عن ابن مسعود في إعطاء هذا المال فتنة ، وفي منعه فتنة ، إن أعطيه عبد مدح غير الذي أعطاه ، وإن منعه عبد ذم غير الذي منعه ، وقد روينا معناه في حديث مطرف عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب فقال : ألا إن في إعطاء هذا المال فتنة ، ، وفي منعه فتنة ، يغدو الرجل إلى ابن عمه فيسأله الحاجة التي قد كتبها الله له فلا يملك منعه فيعطيه ما كتب له فيظل يشكره ويثني عليه بها خيرا ، ثم يعود إليه العام المقبل فيسأله الحاجة التي لم يكتبها الله له فلا يملك أن يعطيه كما لم يعطه في العام الأول أن يمنعه فيمنعه ما لم يكتب له ، فيرجع فيحتقبها عليه ذنبا ، ويثني عليه بها شرا ، إلا أن في إعطاء هذا المال فتنة وفي منعه فتنة ، واللفظ للخبر ولم آل يعني بالفتنة الاختبار وصدق صلى الله عليه وسلم يختبر بذلك الموقنون للخير والغافلون لينظر كيف يعملون ، فأما أهل اليقين فيعتبرون بالأسباب ويعجبون من التسبب فيزدادون بذلك هدى وإيمانا لشهودهم المعطي المانع واحدا في العطاء والمنع ، ولمعرفتهم بجريان الحكمة فيما جادت به الشريعة ثبت لهم مقامان : الشكر له والصبر عليه ، وأما الغافلون فيضطربون لذلك ويثبتون بنظرهم إلى الأسباب والأيدي ، فيمدحون المعطين ويذمون المانعين عندهم فينقصون ذلك ، فقد صار المال فتنة للفريقين يكشف إيمانهم وتمتحن للتقوى قلوبهم ، وكذلك جاء في الخبر : إن العبد ليهم من الليل بالأمر من أمور الدنيا من التجارة وغيرها الذي لو فعله كان فيه هلكته ، فينظر الله إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كئيبا حزينا يتطير بجاره وبابن عمه من سبقني من دهاني وما هو إلا رحمة رحمه الله بها ، وعن ابن مسعود أنه قال : من الإخلاص أن لا تحب أن يحمدك الناس على عبادة الله وأن لا تمدحهم على ما رزقك الله . وقد روينا عن عيسى عليه السلام وعن ابن مسعود وغيره : أن من اليقين أن لا تحمد أحدا على ما أعطاك الله ولا تذمه على ما لم يؤتك الله ، وقال : الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان ، واليقين الإيمان كله ، وفي حديث الإفك الذي رواه معمر بن

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ١٨