الذاريات : 23 كما قال تعالى : ( ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق ) يونس : 53 وليس في القرآن قسم بالذات فيما سبرناه إلا خمسة : القسم الذي في سورة النساء على تسليم الأحكام ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) النساء : 65 الآية ، وفي سورة التغابن على بعث الكافرين وأبنائهم ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ) التغابن : 7 وفي سورة المعارج من ( سأل سائل ) المعارج : 1 في تبديل الخلق خلقا خيرا منهم ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب ) المعارج : 40 إلى قوله : ( بمسبوقين ) المعارج : 41 وهذان القسمان المتقدمان وسائر الأقسام بالأفعال ، ولأن العبد قد وكل برزقه من يقوم له به من الخلق ، فإن لم يرزق من كسبه وعن يده رزق من كسب غيره ويده ، ولكن شغل الخصوص بأعمال الآخرة ، وما يفوتهم من القربات إلى الله عز وجل ، وبالخدمة للمولى الذي وكل إليهم ، فإن لم يقوموا به لم يقم به غيرهم لهم ، ولم ينب غيره من الدنيا منابه ، لقوله تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) النجم : 93 ، وقوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناعمة ) ( لسعيها راضية ) الغاشية : 8 - 9 ولقوله تعالى : ( والآخرة خير وأبقى ) الأعلى : 71 ، وقوله تعالى : ( والله يريد الآخرة ) الانفال : 76 ولقوله تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ) الشورى : ، 2 ، ولم يقل هذا في أرزاق الدنيا ، ومعنى الزيادة أن لا يحاسبه على مايعطيه من الدنيا إذ لا زيادة في القسم . وقد قيل : إن الله تعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا ، وهذا لعلو الآخرة ودناءة الدنيا ، وكان علي رضي الله عنه يقول : إلا أن حرث الدنيا المال ، وحرث الآخرة العمل الصالح ، وقد قيل : إن الزيادة في الآخرة رفعة الدرجات لمن كانت نيته وقصده ولها يعمل ، فشغل الخصوص بما وكل إليهم وبما لا يعمله غيرهم لهم عما تكفل به لهم ، فأقيم غيرهم فيه مقامهم وناب أيضا عنه مثله من أسباب دنياهم ، كما روي في أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي ، وخلق آدم لأجل محمد ، وخلقت ما خلقت لأجل آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن اشتغل منهم بي سقت إليه ماخلقته لأجله ، وتوكل الخصوص أيضا في الصبر على الأذى من القول والفعل ، إذ كان أمر بذلك الرسول في قوله تعالى : ( فاتخذه وكيلا ) ( واصبر على ما يقولون ) المزمل : 9 - 1 مع قول الرسل عليهم السلام : ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ، وكذلك أمر نبيه عليه السلام لما قال تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) الأنعام : 90 فأمره باتباعهم وقال : ( ودع أذاهم وتوكل على الله ) إلى قوله : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ) الاحقاف 35 . وقال بعض العارفين : لا يثبت لأحد مقام في التوكل حتى يستوي عنده المدح والذم من الخلق فيسقطان ، وحتى يؤذى فيصبر على الأذى ، يستخرج بذلك منه رفع السكون إلى
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ١٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ١٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي