جنسهم أشد من غيرة جميع محبيه عليه ؛ وهذا كلام على عالم صاح في مقام صحو مكين ، فأما السكرن بحاله والولهان بوجده فمغلوب ، والمغلوب معذور ، قال رجل لأبي محفوظ ، وقد رأى من بعض المحبين شيئا استجهله فيه فأخبر معروفا بذلك فتبسم ثم قال : ياأخي له محبون صغار وكبار ومجانين وعقلاء ، فهذا الذي رأيته من مجانينهم ومن المحبة كتمان بلاء الحبيب بعد الرضا به لأن ذلك من السر عنده وحسن الأدب لديه ، وعوتب سهل في العلة التي كانت به علة مهولة كان يداوي الناس منها ولا يداوي نفسه فقيل له في ذلك فقال : ضرب الحبيب لا يوجع ، وكان حينئذ يقول : من علامة المحب في المكاره والأسقام هيجان المحبة وذكرها عند نزول البلاء ، إذ هو لطف من مولاه وفيه الغربة إلى محبوبه وقلة التأذي بكل بلاء يصيبه لغلبة الحب على قلبه ، وقد كان بعض المحبين يقول : أصفى ما أكون ذكرا إذا ما كنت محموما ، وذكر بعض من ينتمي إلى المحبة مقامه في المحبة عند بعض المحبين فقال له المحب : أرأيت هذا الذي تذكر محبته أهممت بسواه قط ؟ قال : نعم ، قال : فهل رأيته في ليلة مرتين وثلاثا ؟ قال : لا ، قال : لولا أني أستحي لأخبرتك أن محبتك معلولة تهتم بسوى حبيبك ولا تراه في ليلتك ، ثم قال : لكني لا أدعي محبته وعلى ذلك ما اهتممت بسواه مذ عرفته ، وربما رأيته في ليلة سبع مرار ، وذكر بعض المحبين ممن كان بدلا عن إبراهيم بن أدهم ممن تكلم في علم طريقه ووصفه حاله وذكر القصة بطولها قال : رأيت الله عز وجل مائة وعشرين مرة وسألته عن سبعين مسألة أظهرت منها أربعة فأنكرها الناس فأخفيت الباقي ، وفيما ذكر من وصف المحب كفاية وغيبة عن وصف المحبوب وليس يمكننا وصف المحبوب إذ كان حاله يجل عن الوصف ، وكيف يوصف من يسمع ويبصر من يحبه ويبطش ويعقل عن محبوبه فيكون هو سمعه وبصره وقلبه ويده ومؤيده ، كما جاء في الخبر : إذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، وقلبه الذي يعقل به ، وإن سألني أعطيته وإن سكت ادخرت له ، لو قسم نوره على أهل الأرض لوسعهم ؛ فهذا كله في مقام محبوب ، ويقال : إن هذه الآيات والقدر من سرائر الغيوب وخفايا الملكوت التي تسميها العامة المعجزات والآيات وتسميها العلماء الكرامات والإجابات ؛ وهي آيات الله في أرضه مودعة وقدرته في عباده جارية ، وعنايات له في ملكه مستقرة ، ليس للعباد منها إلا كشفها ونظرهم إليها إذا أقيموا مقام الأنس من مقام محبوب ، ويقال : إنها توجد في المقام السابع عشر من مقامات المعرفة ، إذا أقيم العبد هذا المقام في المعرفة يؤدي بها ظهرت له وفوقها ثلاثة وثمانون مقاما من مقامات العارفين ، أفضل من ذلك ، ويقال : إنها لا
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ١١٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ١١٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي