والذي رويناه عن أبي سعيد الخراز دخل فيما ذكرناه عنهما ، وأحسب أنه أخذه منها لأنهما أقدم منه ، إلا أن قوله كان أحد عشر بيتا فقط ، وجميع ما قدمنا ذكره من العلامات والدلالات هي أوصاف المحبين ، وكل محب لله فعن محبة الله ، لأن وجود العبد لمحبته لله علامة غيب محبة الله له ، يبين ذلك الغيب له في هذه الشهادة إلا أن في المحبة مقامين ، مقام تعريف ومقام تعرف ، فمقام التعريف هومعرفة العموم وهذا قبل المحبة الخاصة ، ومقام التعرف معرفة الخصوص وهذا بعد محبة العموم ، وهو مزيد الحب الأول ، وهذا محبة خصوص ، وكذلك في المحبة مقامان ، مقام محب وأعلى منه مقام محبوب ، وهذا كما عبروا عن قولهم مريد ومراد ، وعلى الحقيقة كل مريد لله فهو مراد بذلك ، إلا أنهم جعلوا اسم مراد بوصف مخصوص بعرف به فيمتاز معه المبتدئ من المبادئ ، والمنيب من المجتبي ، والطالب من المطلوب ، والراغب من المرغوب ، والحافظ من المحفوظ ، فكذلك لعمري ليس الحامل مثل المحمول ، ولا الزائر كالمزور ولا الاشتياق كالحضور ، ولا المحب مثل المحبوب ، قال أبو موسى الدبيلي : عرضت على أبي يزيد البسطامي كتاب صاحبنا عبد الرحيم في الإخلاص فما أعجبه منه إلا حكاية أبي عاصم الشامي في الشوق ، يعني أن عبد الرحيم ذكر الإخلاص في كتابه فقال : قيل لأبي عاصم وافد أهل الشام يشتاق إلى الله ، فقال : لا ، قيل : ولم ؟ قال : إنما يشتاق إلى غائب ، فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق ؟ قلت : سقط الشوق ، وهذا مقام محبوب ، وفي المشاهدة مقامان ؟ مقام شوق ومقام أنس ، فالشوق حال من القلق والانزعاج عن مطالعة العزة ومعاينة الأوصاف من وراء حجاب الغيب بخفايا الألطاف ، وفي هذا المقام الحزن والانكسار ، والأنس حال من القرب عن مكاشفة الحضور بلطائف القدرة ، ففي هذا المقام السرور والاستبشار ، وقال ضيغم : عجيب للخليقة كيف أرادت بك بدلا ، وعجبت لهاكيف أنست بسواك ، وقال الجنيد : علامة كمال الحب دوام ذكره في القلب بالفرح والسرور والشوق إليه والأنس به ، وأثرة محبة نفسه ، والرضا بكل ما يصنع وعلامة أنسه بالله استلذاذ الخلوة ، وحلاوة المناجاة ، واستفراغ كله حتى لا يكاد يعقل الدنيا وما فيها ، ولا يحمل هذا على الأنس بالخلق ، فيرتب على مدراج المعقول ، كما لا يحمل المحبة على محبة الخلق فيكون بمعاني العقول ، لأنه حال منها ، أو إنما هو طمأنينة وسكون إليه ، ووجد حلاوة منه ، واستراحة وروح بما أوجدهم ، وقد أنكر الأنس من لا مقام له فيه ، كما أنكر المحبة أيضا من لا معرفة له بها لأنه تخيل فيه محبة المخلوق ، وتمثل لها صفاتهم ، فقال : لا يعرف المحبة ولا يعقلها إلا لمخلوق وليس إلا الخوف والهيبة ، وممن ذهب إلى هذا القول : أحمد بن غالب المعروف بغلام خليل ، أنكر على الجنيد وأبي سعيد والثوري كلامهم في المحبة ، وليس
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ١٠٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ١٠٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي