ولم يزل الحجازيون عندنا يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام التي أمر الله عباده أن يذكروه فيها ، أيام التشريق من وقت عطاء بن أبي رباح إلى يومنا ، هذا ما أنكره عالم ، وقد كان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه يستمعون إليهما ، ويحمل القول في السماع أن من سمع فظهرت عليه صفات نفسه وذكرته حظوظ دنياه فالسماع عليه حرام ، ومن سمع فظهر له به ذكر ربه ، وتذكر به أجل ما شوقه الله إليه وأعده لأوليائه ، فهو له ذكر من الأذكار ، وسئل عالمنا رحمه الله فقيل له : بلغنا أنك تنكر السماع ، وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون فقال : كيف أنكر السماع وقد سمعه عبد الله بن جعفر الطيار ، يعني ابن أبي طالب ، وإنما أنكر اللهو وأنكر اللعب في السماع ، ولعمري أن هؤلاء الأشياخ الذين ذكروا قد كانوا يسمعون ، ولكن كان منهم من سمع السر دون العلانية ، ومنهم من كان يسمع مع إخوانه ونظرائه دون الأتباع والأصحاب ، وكانوا يقولون : لا يصح السماع إلا لعارف مكين ، ولا يصلح لمريد مبتدىء وكان بعض العلماء قد ترك السماع فقيل له ، فقال : ممن ؟ فقيل له : فأنت ، فقال : مع من كانوا لا يسمعون إلا من أهله ومع أهله . وحدثونا عن يحيى بن معاذ قال : فقدنا ثلاثا فما نراها ولاأراها تزداد إلا عزة ، حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الديانة ، وحسن الأخاء مع الوفاء ، وقد سمع من الصحابة غير عبد الله بن جعفر أربعة منهم : ابن الزبير والمغيرة بن شعبة وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم قال : طفت ذات ليلة بالبيت ، وكانت ليلة مظلمة ذات مطر ورعد ، فخلا الطواف ، فلما انتهيت إلى الباب قلت : اللهم اعصمني حتى لا أعصيك أبدا ، قال : فسمعت قائلا يقول : من جوف البيت يا إبراهيم أنت تسألني أن أعصمك وكل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر ؟ وفي خبر وهب بن منبه أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أنك تكثر مسألتي ولا تسألني أن أهب لك الشوق ، قال : يا رب وما الشوق ؟ قال : إني خلقت قلوب المشتاقين من رضواني ، وأتممتها بنور وجهي ، فجعلت أسرارهم موضع نظري إلى الأرض ، وقطعت من قلوبهم طرقا ينظرون به إلى عجائب قدرتي فيزدادون في كل يوم شوقا إلي ، ثم أدعو نجباء ملائكتي فإذا أتوني خروا لي سجدا فأقول : إني لم أدعكم لعبادتي ، ارفعوا روؤسكم أركم قلوب المشتاقين إلي فوعزتي وجلالي إن سمواتي لتضيء من نور قلوبهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا ، معنى قول لداود عليه السلام : ولا تسألني الشوق ليس أنه قد يعطي الأولياء ما لا يعطي الأنبياء كما غلط في هذا بعض الناس ، ففضل العارف على النبي ، ولكنه ذكر ذلك لداود عليه السلام ليسأله إياه فيعطيه ، فلما أخبره به أعطاه مقام الشوق إليه ، فجاوز مقامات المشتاقين من العارفين ، وإنما أراد أن يجعل ذلك على لسانه ليريه فضل مكانه ، ويظهر له ذلك عن مسألته ليفضله ويشرفه بسرعة إجابته ، كما أن قول داود عليه السلام : وماالشوق ؟ ليس أنه لم يعرف الشوق وقد اتاه
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ١٠٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ١٠٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي