سلوا بشر بن الحارث ، وقال قوم الزهد في الدنيا طلب الحلال وإنه واجب مفترض في مثل زماننا هذا لاختلاط الأشياء وغلبة الشبهات قالوا : فقد تعين فرض الزهد وهذا مذهب إبراهيم ابن أدهم ووهيب بن الورد وسليمان الخواص وجماعة من أهل الشام ، وقد كان سهل يقول : أزهد الناس في الدنيا أصفاهم مطعما ، وقال أقصى مقام في الورع أدنى مقام من الزهد . وقد روينا عن يوسف بن أسباط ووكيع رحمهما الله قالا : لو زهد عبد في زماننا هذا حتى يكون كأبي ذر وأبي الدرداء ما سميناه زاهدا لأن الزهد عندنا إنما هو في الحلال المحض ، ولا نعرف الحلال المحض اليوم ، وكذلك كان الحسن البصري رحمه الله إمام الأئمة يقول لا شيء أفضل من رفض الدنيا ، وقال الفضيل بن ثور قلت للحسن : يا أبا سعيد رجلان يطلب أحدهما الدنيا بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه ورجل رفض الدنيا ، قال : أحبهما إلي الذي رفض الدنيا قلت : يا أبا سعيد هذا طلبها بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه قال : أحبهما إلي الذي جانب الدنيا وإنما شرف الحسن الذي رفض الدنيا لأن مقام الزهد يجمع التوكل والرضا ألا تسمع إلى الخبر الذي جاء : الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك فهذا هو التوكل ، ثم قال : وأن تكون بثواب المصيبة أفرح منك ولو أنها بقيت لك وهذا هو الرضا ، ثم إن المعرفة والمحبة بعد الزهد داخلان عليه فأي مقام أعلى من مقام جمع هذه الأربعة وهي غاية الطالبين ، ولعمري أنه هكذا لأنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث فيه شدة قال : يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوه خلقها فتشرف على الخلائق فيقال : أتعرفون هذه ؟ فيقولون : نعوذ بالله تعالى من معرفة هذه ، فيقال : هذه الدنيا التي تفاخرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ، ثم تقذف في جهنم فتنادي أي رب أتباعي وأشياعي فيقول الله : ألحقوا بها أتباعها وأشياعها . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا أشد من هذا حدثنا عن عبد الواحد بن زيد عن الحسن عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليجيئن أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار قالوا : يا رسول الله مصلين قال : نعم ، كانوا يصلون ويصومون ويأخذون هنة من الليل فإذا عرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه ، وكذلك كان الحرث بن أسد المحاسبي رحمه الله يقول : إنما الزهد إسقاط قيمة الدنيا من القلب وأن لا يكون لشيء عاجل في القلب وزن ، فإذا سقطت قيم الأشياء واستوت في القلب فهو الزهد ،
قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٤٤٦
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ١ · ص ٤٤٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي