عبد قائم بحكم رب ونعت عبد موقن محب قد شغلته مشاهدة الآخرة عن التفرغ لمتعة الدنيا وقد فرغته معاينة الآخرة من الاشتغال بما يغني ، وفي أحد الوجوه من قوله تعالى : ( وأنه هو أغنى وأقنى ) النجم : 48 قيل : أغنى أهل الآخرة بالله سبحانه وتعالى وأغناهم عن الدنيا بالآخرة وأقنى أهل الدنيا من الدنيا أي جعل لهم قنية ومدخرا وعدة كما وصف من ذمه من قوله تعالى : ( جمع مالا وعدده ) الهمزة : 2 أي قال هذا عدة لكذا وهذه عدة لكذا فهدده بالويل فحصل من ذلك أن الزاهد في المال عدته الله تعالى في كل الأحوال وكنزه وذخره وطوبى له وحسن مآب . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : كفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلا وكفى بالموت واعظا ؛ وهذا جملة وصف الزاهد الموقن ، الذي هو للموت مرتقب مع الخبر المشهور ، ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الزهد في الدنيا علما لحقيقة الإيمان وقربه بمشاهدة الإيقان في قوله عليه الصلاة والسلام لحارثة : عرفت فالزم عبد نور الله قلبه لما قال أنا مؤمن حقا قال : وما حقيقة إيمانك ، فابتدأ بالزهد فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني بالجنة والنار وكأني بعرش ربي بارزا ، وأشد من هذا الخبر الآخر الذي جعل النبي الزهد من علامة شرح الصدر بالنور ، وهو نور التصديق الذي هو عموم وصف المؤمنين لأنه هو في التحقيق الإسلام ، ففسر قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) الأنعام : 521 قيل : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ قال : إن النو إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفتح ، قيل يا رسول الله هل لذلك من علامة ؟ قال : نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ؛ فهذا هو الزهد جعله شرطا لحقيقة الإسلام . وأشد من هذين الخبرين الخبر الثالث الذي فسر الحياء من الله تعالى بالزهد في الدنيا فقال : استحيوا من الله تعالى حق الحياء قلنا : إنا لنستحي قال : تبنون ما لا
قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٤١٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ١ · ص ٤١٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي