تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما أعظم حسرة الفوت على من خسر ما ربحه الزاهدون بعد الموت ، وقد كان الناس مستورين بإظهار الزهد في البقاء ومظنونا بهم حب الباقي الأعلى حتى نزلت : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ) النساء : 77 الآية ، وحتى نزل : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ) الصف : 2 ، كانوا قالوا : إنا نحب ربنا ولو علمنا في أي شيء محبته لفعلناه ، فلذلك قال تعالى : ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ) الصف : 3 - 4 ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما كنت أحسب أن فينا أحدا يريد الدنيا حتى نزلت ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) آل عمران : 251 ، وكذلك قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم : حين نزلت ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) النساء : 66 قال ابن مسعود قال لي رسول الله عليه السلام : قيل لي : أنت منهم ؛ أي من القليل الذي كان يفعل ذلك ، فإذا كان حب البقاء هو الدنيا فينبغي أن يكون حب بقاء الباقي هو الزهد فصار الزهد في الدنيا هو الزهد في البقاء ، فمن زهد في الحياة الفانية وفي ماله المجموع بالجهاد للنفس والإنفاق في سبيل الله فقد زهد في الدنيا ، ومن زهد في الدنيا أحبه الله تعالى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولذلك صار الجهاد أفضل الأعمال لأنه حقيقة الزهد في الدنيا ولأن الله تعالى يحب من زهد في الدنيا ثم كان مخالفة الهوى أفضل الجهاد لأنه هو حقيقة الرغبة في الدنيا ، وقد عبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزهد في الدنيا إذ قال في الحديث الأول : ازهد في الدنيا يحبك الله تعالى ، ثم قال في الخبر الثاني بمعناه : اجتنب المحارم يحبك الله تعالى ، واجتنابهم زهد في الدنيا ، فالزاهد في الدنيا حبيب ربه تعالى ، والراغب في حب البقاء لنفسه منافق في دين ربه تعالى ، ومنه الخبر الذي جاء : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق ، وبه كشف الله تعالى الكاذبين ووصفهم بمرض القلوب . فقال سبحانه وتعالى : ( فرذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القيال رأيت الذين في قلوبهم مرض ) يعني نفاقا ( ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت ، فأولى لهم ) محمد : 20 تهدد ووعيد أي ولهم العذاب وقرب منهم ثم قال : ( طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر ) محمد : 21 وحقت الحقائق كذبوا ونكثوا ، فلو صدقوا الله أي في الوفاء لكان خيرا لهم ، وهذا من الكلام المضمر ، فلذلك أشكل والبقاء والحياة اسمان لمعنى ، ولذلك جعل الله تعالى الدنيا وصفا للحياة فتكون الدنيا هي الحياة ونعتها بالدنيا نعت مؤنث لدخول الهاء في الإسم الي هي إحدى علامات التأنيث ، فصارت الحياة هي الدنيا وصار قوله الدنيا نعتها بالدناءة ، ولو كان الإسم مذكرا مثل البقاء نعته بمذكر فقال : الأدنى ، وقد

قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٤١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ١ · ص ٤١١