تعالى مني فابغض الدرهم ، وكذلك جاء في الخبر : الدنيا موقوفة منذ خلقها الله تعالى بين السماء والأرض لا ينظر إليها فتقول يوم القيامة : يارب اجعلني لأدنى أوليائك نصيبا اليوم فيقول : اسكتي يا لا شيء أنا لم أرضك لهم في الدنيا أرضاك لهم اليوم وقال بعض السلف الدنيا دنيئة وأدنى منها قلب من يحبها . وروي عن علي كرم الله وجهه : الدنيا جيفة ، فمن أرادها فليصبر على مزاحمة الكلاب ، وفي أخبار موسى عليه السلام : إن لم تلق الفقير بمثل ما تلقى به الغني فاجعل كل علم علمتك تحت التراب وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنب عجلت عقوبته ، وقال إمامنا أبومحمد رحمه الله تعالى وروينا عن بعض علمائنا في أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد وخلقت ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ومن اشتغل منهم بي سقت إليه ما خلقته لأجله ، وكان يقول : الصديقون في بداياتهم طلبوا الدنيا من الله تعالى فمنعهم فلما تمكنوا من أحوالهم عرضها عليهم فامتنعوا منها ، وكان عيسى عليه السلام يقول للدنيا : إليك عني ياخنزيرة ، وقد روينا هذا القول عن يزيد بن ميسرة ، وكان من علماء الشام قال : كان أشياخنا يسمون الدنيا خنزيرة ولو وجدوا لها اسما شرا من هذا سموها به قال : وكانت إذا أقبلت على أحدهم الدنيا قال لها : إليك عنا يا خنزيرة ، لا حاجة لنا بك إنا قد عرفنا إلهنا عز وجل معناه قد عرفناه بلا ابتلاء بك لينظر كيف نعمل في الزهد فيك والأثرة له سبحانه وتعالى ، وعرفناه أيضا بالمقت لك فوافقناه في ذلك وعرفناه أيضا فتألهت قلوبنا إليه أعرضنا عما سواه ، وكذلك كان الحسن رحمه الله تعالى يصف أشياخه كان أحدهم يعرض عليه المال الحلال فيقال : خذه فاستغن به فيقول لا حاجة لي فيه أخاف أن يفسد على قلبي فهذا كان له قلب صالح راعاه فخاف تغيره كذلك . روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه مر بجدي ميت أجرب فقال : أترون هذا هان على أهله قلنا : يا رسول الله من هو ؟ إنه ألقوه فقال للدنيا أهون على الله تعالى من هذا على أهله ، وفي لفظ آخر : أنه قال : أيكم يحب أن هذا له بدرهم قلنا : لا أينا وأي شيء يساوي هذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : الدنيا أهون على الله تعالى من هذا عليكم ، وكذلك أخبر بالغاية في قلتها وعدم قيمتها بقوله : ولو كانت الدنيا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ، وضرب المثل في نتنها وانقلابها على أهلها بقوله للأعرابي : أرأيت ما تأكلون وتشربون ألستم تتغوطون وتبولون ؟ قال : بلى ، قال : فإلى أي شيء يصير ؟ قال : إلى ما علمت يا رسول الله قال أليس يقعد أحدكم خلف بيته فيجعل يده على أنفه من نتن ريحه ، قال : نعم قال : فإن الله تعالى جعل الدنيا مثلا لما يخرج من ابن آدم ،
قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٤٠٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ١ · ص ٤٠٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي