تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فحققوا الوعيد على الموحدين ، وخلدوا الفاسقين في النار ، فجاوزوا حد المرجئة وزادوا عليهم ، كما جاوزت المرجئة طريق أهل السنة وقصرت عنهم . وكان شيخنا أبو محمد رحمه الله تعالى يقول : أهل البدعه كلهم يرون الخروج على السلطان ، ويرون السيف على الأمة ، ويكفرون الأئمة ، فهذا أضر الوجوه في مجاورة الخوف عن قدره ، وهو من التعدي لحدود الله تعالى وأمره ( قد جعل الله لكل شيء قدرا - ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) الطلاق : 3 فصدق الرجاء واعتدال الخوف به من نحقيقة العلم بالله تعالى ، ومجاوزة الشيء كالتقصير عنه ، والمؤمن حقا هو المعتدل بين الخوف والرجاء ، فالخوف المتلف للنفس بالموت ، أو المزيل للعقل بالفوت خير من هذا الوصف الذي هو القنوط ، لأن هذا مزيل للعلم ؛ ومسقط للمقام ، موقع في الكبائر . على أن هذين المقامين من الخوف ، ليس فيهما علم ولا مشاهدة على الكشف ، وإنما هو قوة وجد تصطلم مرارته فتوجد إتلاف النفس ، ومحو العقل من عبد بمنزلة خوف الكروبيين خاصة من الأملاك أهل الكرب والتمكن ، لأنهم لا ينقلون في المقامات التي يعدلون بها كمقربي الروحانيين . وبلغني أن منهم جيلا يخرج كل يوم من تحت العرش بعدد البشر ، قد أقلقه الشوق وحقره الكرب ، يريد النظر إلى وجه العلى الأعلى فيحرقهم شعاع سبحات وجهه الكريم سبحانه وتعالى ، فيحترقون احتراق الفراش في المصباح ، ثم يعود مثلهم من الغد ، فهذا دأبهم إلى يوم القيامة ، كل ملك لو جمع السموات والأرضين في كفة غابت في قبضته . ولعمري إن سائر الملائكة لا ينقلون في المقامات كالمؤمنين ، بل لكل ملك مقام معلوم لا ينتقل منه إلى غيره ، إنما يمدون من ذلك المقام بمدد لا نهاية له إلى يوم القيامة بأكثر ما يزاد جميع البشر ، ولكن أولئك يحمل خوفهم قواهم ، ويثبت بمشاهدة وصف المخوف خوفهم وصفاتهم ، فلا يئودهم ولا يقتلهم ، لأنهم يمدون بالقوى ، ويعصمون من الموت ، بحفظ آجالهم إلى وقتها في الآخر ، على أن منهم من يطيش عقله ويتوله قلبه ومنهم من يصبح في تيهه ، ومنهم من يتيه فلا يرد وجهه شيء إلى يوم القيامة ، ومنهم من يفزع الفزعة فلا يرتد إليه طرفه ، ولا يرجع إليه عقله إلى يوم الحشر ، ومنهم من يصعق صعقة فلا يزال في صرخة واحدة إلى نفخ الصدور ، وكثير منهم يصعقون عند سماع الكلام من الملك الجبار ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) سبأ : 23 سألوا الروحانيين من المقربين ذوي الحجب القريبة والرتب العلية ، منهم جبريل وإسرافيل وميكائيل ( ماذا قال ربكم ) فهؤلاء الحاضرون من الناظرين والتمكنون من الشاهدين حجبة القدس أولو المحبة والأنس ، قالوا : الحق وهو العلي الكبير ، فمثل هؤلاء الخائفني مثل المخلصين من المؤمنين الذين قال الله : ( أولئك لهم رزق

قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٣٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ١ · ص ٣٩٨