فإذا وقف معه حسب عليه عملا له وإن قل وكان ذلك خاتمته وكذلك ما عمل من خير أعيد ذكره ومشاهدته عليه فإن عقد عليه بقلبه أو أحب وقف معه فحسب عملا له وكان ذلك حسن خاتمته . وقال بعض هذه الطائفة في قول الله تعالى : ( خلق الموت والحياة ليبلوكم ) الملك : 2 قال : يبلوكم بتقليب القلوب في حال الحياة بخواطر الذنوب وفي حال الموت بإلحاد عن التوحيد ، فمن خرجت روحه على التوحيد وجاوزت البلاوي كلها إلى المبلى فهو المؤمن وذلك هوالبلاء الحسن ، كما قال الله تعالى : ( ولىبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) الأنفال : 17 فهذه المعاني من العلوم أوجبت خوف الخائفين من علم الله تعالى فيهم فلم ينظروا معها إلى محاسن أعمالهم لحقيقة معرفتهم بربهم ؛ وهذا الخوف هو الثواب لعلمهم بما يعلمون ، فلما سلموا من مطالبة بما يعملون وصحوا على العلم ظهر لهم خوف علم الله تعالى فيهم نعمة من الله تعالى عليهم ، فكان ذلك مقاما لهم ، كما قال الله تعالى : ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) المائدة : 23 قيل بالخوف . والمقام الآخر لأصحاب اليمين دون هولاء ؛ خوف الجنايات والاكتساب ، وخوف الوعيد وسر العقاب ، وخوف التقصير في الأمر وخوف مجاوزة الحد وخوف سلب المزيد ، وخوف حجاب اليقظة بالغفلة ، وخوف حدوث الفترة بعد الاجتهاد عن المعاملة ، وخوف وهن العزم بعد القوة وخوف نكث العهد بنقض التوبة ، وخوف الوقوع في الإبتلاء بالسبب الذي وقعت منه التوبة ، وخوف عود الاعوجاج عن الاستقامة ، وخوف العادة بالشهوة وخوف الحور بعد الكور ؛ وهو الرجوع عن الحجة إلى طريق الهوى وحرث الدنيا وخوف اطلاع الله تعالى عليهم عندما سلف من ذنوبهم ونظره إلىهم على قبيح فعلهم فيعرض عنهم ويمقتهم وهذه كلها مخاوف وطرقات لأهل المعارف وبعضها أعلى من بعض وبعضهم أشد خوفا من بعض ، ويقال : إن العرش جوهرة يتلألأ ملء الكون فلا يكون للعبد وجد في حال من الأحوال إلا طبع مثاله في العرض على الصورة التي يكون عليها العبد فإذا كان يوم القيامة ووقف للمحاسبة أظهرت له صورته من العرش فرأى نفسه على هيئته التي كان في الدنيا فذكر فعله بمشاهدته نفسه فيأخذه من الحياء والرعب ما يجل وصفه . ويقال : إن الله سبحانه إذا أعطى عبدا معرفة ثم لم يعامله بها لم يسلبه إياها ، بل أبقاها عليه ليحاسبه على مقدارها ، ولكن يرفع عنه البركة ويقطع عنه المزيد . وقد ذم الله تعالى عبدا أوجد له نعمة استعمله بها صالحا بعد أن كان قد ابتلاه بهواه ففخر الآن بعمله ونسي ما قدمت يداه ، ولم يخف أن يعيده فيما قد كان جناه في قوله تبارك وتعالى : ( ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ) هود : 10
قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٣٨٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ١ · ص ٣٨٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي