والآزال قبل إظهار الأكوار والأدوار ، فشهدتها الأرواح هناك غرورا ، ووقفت معها وقد زادت لها زورا رسوم في القلب في التخطيط قبل خلق الأجسام لها ، وقبل حجبها بكشف الهياكل عند ظهورها في الوجود ، وقبل إقامتها بشاهد العقل ، لكن بشاهد الأولية بدت ، وبمعنى القيومية وجدت ، وبوصف الجامع جمعت ثم فرقت ههنا ، فظهرت الآن عند الفراق ، لما كانت شهدت في التلاق ، واعترفت في الآخر بما كانت نطقت في الأول وخرجت الروح على ما شهدت ، وهذا كان خبر السابقة التي أدركت الأرواح المرافقة لها في الأجسام عند الخاتمة . ومن ذلك جاء في الأثر : يأخذ ملك الأرحام النطفة في يده فيقول : يارب أذكر أم أنثى ؟ أسوى أم معوج ، ما رزقه ، وما عمله ؟ ما أثره ماخلقه ؟ قال : ثم يخلق الله تعالى على يده كما قال : فإذا صورة قال : يارب أنفخ فيه بالسعادة أو بالشقاوة فلذلك خرجت الروح بما دخلت به ( فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين ، فسلام لك من أصحاب اليمين ، وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم ، وتصلية جحيم ) الواقعة : 88 - 94 ( كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) الأعراف : 29 ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) الأنبياء : 104 ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني ) السجدة : 13 وقال سبحانه وتعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) الأنبياء : 101 ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك ) يونس : 96 ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) الأعراف : 179 ( ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ) المؤمنون : 63 ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) الزمر : 47 ( إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ) الأنبياء : 106 فهذه الآي ونظائرها وردت في السوابق الأول والخواتم الآخر ، وفيها سرائر الغيوب وغرائب الفهوم ، وهي من آي المطلع لأهل الإشراف على شرفات العرش والأعراف . وقال بعض العارفين : لو علمت أحدا على التوحيد خمسين سنة ثم حالت بيني وبينه أسطوانة فمات لم أقطع له بالتوحيد ، لأني لا أدري ما ظهر من التقليب . وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل حركة ، وكل خطرة وهمة ، يخافون البعد من الله تعالى ، وهم الذين مدح الله تبارك وتعالى ( وقلوبهم وجلة ) وقال لا يصح خوفه حتى يخاف من الحسنات كما يخاف من السيئات . وقال أيضا : أعلى الخوف أن يخاف سابق علم الله تعالى فيه ، ويحذر أن يكون منه حدث خلاف السنة يجره إلى الكفر ، وقال : خوف التعظيم ميزان خوف السابقة . وكان بعض العارفين يقول : لو كانت الشهادة على باب الدار والموت على الإسلام عند باب الحجرة لاخترت الموت على الشهادة ، قيل ولم ؟ قال : لأني لا أدري ما يعرض
قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٣٨٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ١ · ص ٣٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي