في تنجيز وعده ، واتباعا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . ومن الرجاء ترك الأهواء الرديئة ، والشهوات المطغية ويحتسب في ذلك على الله نفيس الذخائر العالية . فقد روينا عن حميد عن أنس قال : مقابل عرش الرحمن غرفة يرسل إليها جبريل عليه السلام ، فإذا انتهى إليها خر لله ساجدا ، ثم يقول : يارب لمن خلقت هذه ، لأي نبي ؟ لأ صديق ؟ لأي شهيد ؟ قال : فيرد عليه عز وجل : لمن آثر هواي على هواه . ومن الرجاء افتعال الطاعات ، وحسن الموافقات ، ينوي بها ، ويسأل مولاه الكريم عظيم الرغائب وجليل المواهب ، لما وهب له من حسن الظن به . كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا سألتم الله تعالى فأعظموا الرغبة ، وسلوه الفردوس الأعلى ، فإن الله عز وجل لا يتعاظمه شيء . وفي حديث آخر فأكثروا وسلوا الدرجات العلى ، فإنما تسألون جوادا كريما ، وفي الآثار أن رجلين كانا من العابدين متساويين في العبادة ، فإذا دخلا الجنة رفع أحدهما في الدرجات العلى على صاحبه ، فيقول الآخر : يارب ما كان هذا في الدنيا بأكثر عبادة لك مني فرفعته علي في عليين ، فيقول الله سبحانه وتعالى : إنه كان يسألني في الدنيا الدرجات العلى وكنت أنت تسألني النجاة من النار ، فأعطيت كل عبد سؤله . وروينا في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رجلا يخرج من النار فيوقف بين يدي الله تعالى ، فيقول له : كيف وجدت مكانك ؟ فيقول : يارب شر مكان ، فيقول : ردوه إلى مكانه ، قال : فيمشي ويلتفت إلى ورائه ، فيقول الله عز وجل : إلى أي معنى تلفت ؟ فيقول له : يارب قد رجوت أن لا تعيدني إليها بعد إذ أخرجتني منها ، فيقول تعالى : اذهبوا به إلى الجنة فقد صار الرجاء طريقه إلى الجنة ، كما كان الخوف طريق صاحبه في الدنيا إليها . كما روينا : إن الآخر سعى مبادرا إلى النار لما قال : ردوه فقيل له في ذلك ، فقال : لقد ذقت من وبال معصيتك في الدنيا ماخفت من عذابه في الآخرة فقيل : اصرفوه إلى الجنة ، وقال الله سبحانه في وصف قوم : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) الإسراء : 57 فطرق لأوليائه من القرب والوسيلة الرجاء ، كما طرق الخوف منه إليها ، وهذا أحد الوجهين في الآية لمن لم يجعله وصفا للأصنام لأنها قرئت بالتاء تدعون قرأها طلحة بن مصرف ، فكذلك ندب المؤمنين إلى طلب القرب منه قي قوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) المائدة : 35 فهذه جملة أحكام الرجاء وأوصاف الراجين ، فمن تحقق بجميعها فقد استحق درجات أهل الرجاء ، وهو عند الله تعالى من المقربين ، ومن كان فيه وصف من هذه
قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٣٧٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ١ · ص ٣٧٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي