فقال : ما بالكم أنتم في الأمم مثل شعرة بيضاء في جلد ثور أسود ، والخبر المشهور : لو لم تذنبون لخلق الله تعالى خلقا يذنبون ليغفر لهم ، وفي لفظ آخر : لذهب بكم وجاء بقوم يذنبون فيغفر لهم ، إنه هو الغفور الرحيم أي أن وصفه سبحانه وتعالى المغفرة والرحمة ، فلابد أن يخلق مقتضى وصفه حتى يحق وصفه عليه هذا كما يقول في علم المعرفة : إن له سبحانه وتعالى من كل اسم وصفا ومن كل وصف فعل ، وفي هذا سر المعرفة ومنه معرفة الخصوص ، وحكي لنا معناه عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه قال : خلا لي الطواف ذات ليلة ، وكانت ليلة مطيرة مظلمة فوقفت في الملتزم عند الباب فقلت : يارب اعصمني حتى لاأعصيك أبدا ، فهتف بي هاتف من البيت : ياإبراهيم أنت تسألني العصمة وكل عبادي المؤمنين يطلبون ذلك ، فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر ؟ وكان الحسن البصري رضي الله عنه يقول : لو لم يذنب المؤمن لكان يطير طيرا ولكن الله تعالى قمعه بالذنوب . وفي الخبر مثله : لوم لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب ، قيل : وما هو ؟ قال : العجب ، ولعمري أن العجب من صفات النفس المتكبرة ، وهو يحبط الأعمال ، وهو من كبائر أعمال القلوب والذنوب من أخلاق النفس الشهوانية ، ولأن يبتلي العبد الشهواني بعشر شهوات من شهوات النفس خير له من أن يبتلي بصفة من صفات النفس مثل الكبر ، والعجب ، والبغي ، والحسد ، وحب المدح ، وطلب الذكر ؛ لأن هذه منها ؛ معاني صفات الربوبية ، ومنها أخلاق الأباسلة ، وبها هلك إبليس ، وشهوات النفس من وصف الخلقة وبها عصى أدم ربه فاجتباه بعدها وتاب عليه وهدى ، وقد قال بشر بن الحرث : سكون النفس إلى المدح أضر عليها من العاصي ، ورأى يوسف بن الحسين مخنثا فأعرض عنه إزراء عليه ، فالتفت إليه المخنث وقال : وأنت أيضا يكفيك مابك ففزع من قوله ، فقال : وأي شيء تعلم ؟ قال : لأن عندك أنك خير مني ، فاعترف يوسف بقوله ، فتاب واستغفر وكان بعض الراجين من العارفين إذا تلا هذه الآية ، آية الدين التي في سورة البقرة ، يسر بذلك ويستبشر لها ويعظم رجاؤه عندها ، فقيل له في ذلك : إنها ليس فيها رجاء ولا ما يوجب الاستبشار فقال : بلى فيها رجاء عظيم ، قيل : وكيف ذلك ؟ فقال : إن الدنيا كلها قليل ورزق الإنسان فيها قليل من قليل وهذا الدين من رزقه قليل ، ثم إن الله تبارك وتعالى احتاط في ذلك ورفق النظر لي بأن وكد ديني بالشهود والكتاب وأنزل فيه أطول آية في كتابه ، ولو فاتني ذلك لم أبال به فكيف يكون فعله بي في الآخرة التي لا عوض لي من نفسي فيها . وكذلك كان بعض الراجين يفهم من قوله تعالى إذا تلا : ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) الزمر : 47 يرجو من ذلك بوادي الجود والإحسان مما لم يحسبه في الدنيا قط ، وقد كان الجنيد رحمه الله يقول : إن بدت عين من الكرم ألحقت المسيئين
قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٣٦٨
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ١ · ص ٣٦٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي