تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كفرها ، فإن كفرها أدركه العذاب الشديد للوعيد إلا أن تداركه نعمة من ربه وأصول نعم المرافق للأحراث أربعة ؛ أولها : النطفة التي أخرجت من خزانة الأرحام جميع البهائم والأنام ، ثم الحرث الذي أخرج من خزانة الأرض جميع الثمر ، ثم الماء الذي لنا منه شراب ومنه شجر ، ثم النار التي فيها ضياء ومصالح الأطعمة وبها لأهل البصائر تذكرة ، وهذه النعم هي التي ذكرها المنعم في آخر سورة الواقعة وأضافها إلى نفسه عز وجل ولم يجعل فيه شريكا معه وفتح للعباد العمال أبوابها . ومن أفضل النعم وأجلها نعمة الإيمان به سبحانه وتعالى ، ثم نعمة الرسول ، ثم نعمة القرآن ، ثم أن جعلنا من خير أمة أخرجت للناس ، وقبل ذلك أول نعمة عقلناها أن جعلنا موجودين دون سائر المعدومات ، ثم جعلنا حيوانا دون سائر الموات ، ثم جعلنا بشر دون سائرالحيوان ثم جعلنا ذكورا دون الإناث ، ثم صورنا في أحسن تقويم ثم عوافي القلوب من الزيغ عن السنة ومن الميل إلى دواعي النفس الأمارة ، ثم صحة الأجسام ثم كشف الستر ، ثم حسن الكفاية لحاجة ، ثم صنوف ما أظهر من الأزواج للأقوات ، ثم تسخير الصنعة لنا مما بين السماء والأرض ؛ فهذه أمهات النعم فكلما كثرت هذه المعاني و حسنت كثر الشكر عليهما فعظيم النعم بها ، ( وإن تعدوا نعمت الله لاتحصوها ) إبراهيم : 34 وكان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : خص بمعرفة النعم وبمعرفة عظيم حلم الله تعالى وستره الصديقون . وقد قال الله تعالى أصدق القائلين وأحسن الواصفين : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) إبراهيم : 34 ، فتمت النعمة بوصفيه اللذين هو لهما أهل من المغفرة والرحمة ثم قال أيضا في مثله : ( إن الإنسان لظلوم كفار ) إبراهيم : 34 فكان أعظم للنعمة وأوسع في الكرم والمنة على وصفي الإنسان اللذين هو أهل لهما من الظلم والكفر ، فهو سبحانه وتعالى أهل التقوى وأهل المغفرة والعبد أهل لما وصفه به مولاه عز وجل إلى أن يجود عليه بقديم ما به تولاه فبنعمته أطاعه العاملون ، ومن نعمته جازاهم وبنعمته عصاه الجاهلون ، ومن نعمته ستر وحلم عنهم ، ومن النعم إظهار الجميل وستر القبيح فلا ندري أي النعمتين أعظم جميل ما أظهر أو قبيح ما ستر ، وقد يمدح الله تعالى بالوصفين معا في الدعاء المأثور : يا من أظهر الجميل وستر القبيح ، ومن النعمة الصحة والفراغ هما أول نعيم الدنيا وأصول أعمال الآخرة وبهما تكون المغابنات كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ، وقال الفضيل بن عياض : عليكم بمداومة الشكر على النعم فقل نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم ، وقال بعض السلف : النعم وحشية فقيدوها بالشكر ، وقد روي في خبر : ما عظمت نعمة الله تعالى على عبد إلا كثرت حوائج الناس إليه ، فمن تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال .

قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٣٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ١ · ص ٣٤٩