تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خاطب الله تعالى سيد البشر وأمره أن يخبر فقال : ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ) الأعراف : 188 ، ثم قال بعد ذلك : ( قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ) الجن : 21 ، ثم قال بعد ذلك : ( قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ) الجن : 22 ، وإذا كان المالك عزيزا جبارا وكان كل شيء بيده لم يوصل إلى ما عنده بقوة ولا حيلة فليس الطريق إليه إلا الصدق والإخلاص والذل والافتقار وقد حجب العقل المكيد عن النظر إلى المبدئ المعيد بما أظهر له من صورته وحركته فستره عن الأول المصور وعن القادر المحرك فادعى عن نظره إلى حركته وسكونه التي هي حجة له عن المحرك لغيب ادعاء الحركة والسكون بنفسه لوقوف نظره على نفسه إذ كان مشهودا وعمي عن النظر إلى الشاهد المحرك المسكن لبعد مقامه لأنه غيب من وراء الحركة والغيب لا يشهد إلا بغيب وهو اليقين كما لا تدرك الشهادة إلا بشهادة وهي العين فمن عمي بصره لم ير من الملك شيئا كذلك من حجب قلبه لم ير من الملك شيئا ، فلعدم اليقين عمي عند المشاهدة ولإيقاع الحجة والحجاب أدرك بالمعقول الشهادة ، ولو كان من أولي البصائر لاعتبر الحركة الغيبية بالمتحرك المشاهد فكما أن الحركة غيب في الجسم ظهر عنها المتحرك فأظهر سبحانه المتحرك وأخفى الحركة فيه وأظهر الصنعة وأخفى الصنع فيها لتفصيل حكمته كذلك الصانع ذو الصنعة الأول والحاكم الأعلى ذو الحكمة الأغلب غيب عن الحركة التي أخفاها هو من ورائها بلطائف القدرة فشهد المعقول ما أشهدهما أظهر له ووجه به لأنه معقول عليه محدود له وعمي عما غيب عنه لفقد اليقين منه فعندهما ادعى الحركة والسكون للشاهد فحجبه ذلك عن الشهيد وشهد الموحد بشهادة التوحيد فوجد لما كشف له الملكوت بنور اليقين فأفرد ، وقد قال بعض العارفين : من نظر في توحيده إلى عقله لم ينجه توحيده من النار ومن كان توحيده في الدنيا معلقا بمعقوله لم يحمل توحيده معه لي اليقين أحسب أن هذا إيمان الذي يقال أخرجوا من النار من كان في قلبه وزن مثقال من إيمان فما زاد على هذا المقدار فهو متصل باليقين وهو مؤيد بالروح يمده روح التأييد فلا ينطفئ فهو المزحزح عن النار وقد قال بعض علمائنا : من ظن أنه يصل إلى الله بغير الله تعالى قطع به ، ومن استعان على عبادة الله تعالى بنفسه وكل إلى نفسه ، ثم إن الخلق محجوبون بعد هذا الحجاب بثلاثة حجب بعضها أكثف من بعض أحدها أواسط وأسباب معترضة وشهوات جاذبة وعادات راجعة صادرة ، فالأسباب توقفهم عليها والشهوات تجذبهم إليها والعادات تردهم فيها ، فأي هذه الحجب ظهر في القلب وبعضها أشد عليه من بعض فهو مكان للعدو أوسع من مكان فتمكن سلطانه على قدر سعة مكانه فقويت النفس بتزيين العدو وسولت

قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ١ · ص ٢١٩