تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا كله مدعاة إلى عسر مجاهدة النفس ومحاربتها، وإلى عسر عركها ومعرفة عيبها، ويدل دلالة واضحة أن الناس أجناس، وما حصل هذا الفارق بين الأجناس إلا بحصول المجاهدة، فمن جاهد نفسه بعد همة فإن ذلك مدعاة إلى فلاحه.

ويخطئ كثيرون عندما يعتقدون أن المجاهدة غير متحققة للإنسان خصوصاً عندما تطل الشهوات والشبهات برئوسها، وتستحكم الغربة ويذوق الإنسان مرارتها.

وهذا كله لا يصح؛ لأن الله - عز وجل - لم يأمرنا إلا بما تستطيعه القوى البشرية والقُدَر الإنسانية، وليستحضر الإنسان حتى يسهل عليه مجاهدة هذه النفس أنه مثاب في عرك النفس ومحاربتها، وأنه مأجور في مجاهدتها. يقول ابن تيمية يرحمه الله في كتابه المسمى بـ(تزكية النفس): "فإذا كانت النفس تهوى وتشتهي وهو ينهاها - أي صاحبها - كان نهيه إياها عبادة لله تعالى وعملاً صالحاً يثاب عليه، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ).

ويخطئ كثيرون عندما يستأسدون على أنفسهم استئساداً يُخْرج المرء عن القصد والاعتدال ويجعل المرء يبتعد عن ما أمر الله - عز وجل - ونبيه - صلى الله عليه وسلم - مع هذه الأرواح والأنفس فرُبَّ رجل أراد خيراً فوقع في الوزر، ورُبَّ مريد للخير لم يبلغه كما يقوله ابن مسعود عليه - رضي الله عنه -، ويقول ابن الجوزي في (صيد خاطره) كاشفاً عن شيء من ذلك: "تأملت جهاد النفس فرأيته أعظم الجهاد، ورأيت خلفاً من العلماء والزهاد لا يفهمون معناه؛ لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق وذلك غلط من وجهين:

أما الأول: أنه رُبَّ مانعٍ لها شهوةً أعطاها بالمنع أوفى منها مثل أن يمنعها مباحاً فيشتهر بمنعه إياه ذلك فترضى النفس بالمنع؛ لأنها قد استبدلت به المدح….

والثاني: أننا قد كُلِّفْنا حفظها، ومن أسباب الحفظ لها: ميلها إلى الأشياء التي تقيمها، فلا بد من إعطائها ما يقيمها".

بصائر في التربية · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بصائر في التربيةص ٧