والمحاسبة الحقة تقوم على ساقين: علم وصدق، علم بالعمل وبالنفس وصدق مع النفس. فينبغي أن تكون صادقاً مع النفس دون مجاملة، حتى تحقق المحاسبة، وينبغي أن تسيء الظن بهذه النفس؛ لأن إساءة الظن بالنفس مدعاة استنهاض الهمم حتى يحقر الإنسان نفسه ويجعلها على الخيرات، ويبعدها عن الإساءات، يقول الماوردي في (أدب الدنيا والدين) مشيراً إلى هذا المعنى: "فأول مقدمات الأدب ألا يسبق إلى حسن الظن بنفسه فيخفي عنه مذموم شينه ومساوئ أخلاقه؛ لأن النفس بالشهوات آمرة، وعن الرشد زاجرة، وقد قال الله تعالى: ? إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ? ".
وينبغي عند محاسبة النفس أن يزيد الإنسان محاسبة القلب واللسان وأن يكون حارساً على هاذين الأمرين، فالإنسان ليس إلا بأصغريه: بقلبه ولسانه، يقول ابن رجب مؤكداً ذلك كما في شرح حديث شداد: " القلب واللسان هما عبارة عن الإنسان كما يقال: الإنسان بأصغريه: بقلبه ولسانه، فمتى استقام قلبه ولسانه، استقام شأنه كله".
الأمر السابع: الحكمة: فلا بد أن تكون حكيماً في سياسة النفس وفي تربيتها وتأديبها وتزكيتها، فمن لم يكن حكيماً مع النفس ربما جعلها في أودية الهلكة وهو يريد صلاحها، وربما أودى بها حيث أراد خيرها، وهذا كله عندما تُنَحِّى الحكمة جانباً.
الحكمة ذات أهمية في تربية النفس، يقول ابن سعدي: "فلا يزال الحكيم مع نفسه في ملاطفة وتدريب، وترغيب وترهيب، وإنذار وتبشير حتى يُلَيِّنَ صعبها، ويستقيم سيرها، وتتبدل صفاتها الرديئة بالصفاته الطيبة، ولا يُتَمكَّن من هذا إلا بسلوك الحكمة ".