اطلع العلامة عبد الحي بن عبد الكبير رحمه الله على كثير من الكتب المطبوعة والمخطوطة لم يطلع عليها كثير من أهل زمانه بحكم ما تهيأ له من سفرات كثيرة وطول عمر وعلاقات واسعة مع همة عالية جدا في جرد الكتب وفهم ما فيها، فنتج عن ذلك اطلاعه على كتب السنة والأثر التي كان الناس يسمعون بها فقط ولم يروا لها أثرا.
ولذلك فقد صرح في "البيان المعرب" له بعد أن نقل تأويلات لمتأخري العلماء:
و لا شك أن هذا الحمل جار على طريقة الخلف الذين يؤولون أخبار القرآن وأحاديث السنة المتشابهة بالحمل على ما يطابق العقل والنقل، وأما من كان سلفي العقيدة أثري الفطرة: فلا شك أنه لا يقدم على ما أقدموا عليه، ولذلك قال مختصر كتاب "الأسماء والصفات" عقب ما سبق عن البيهقي: كل ما ذكره من معاني الأحاديث في هذا الباب عنه وعن غيره له من طريق الخلف التي تخالف ديدن السلف، والتفويض هو الأسلم، وفيه السلامة عن الخطأ وإحالة المراد إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال رحمه الله: ولا يشك عاقل موقن أن طريقة السلف في مسألة المتشابه أسلم المذاهب وأولاها بالحق والقبول، وناهيك بنسبة هذا القول للسلف الذين هم الصحابة فمن بعدهم من أهل القرون الثلاثة والصوفية كافة وأهل الحديث قاطبة، وقد نقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك، يعني المتشابهات، ولا المنع من ذكره، ومن المحال أن يأمر الله نبيه بتبليغ ما أنزل إليه من ربه وينزل عليه: (اليوم أكملت لكم دينكم) ثم يترك هذا الباب فلا يميز ما يجوز نسبة الله إليه مما لا يجوز، مع حث التبليغ عنه بقوله: "ليبلغ الشاهد الغائب"، حتى نقلوا أقواله وأفعاله وأحواله وما فعل بحضرته فدل على أنهم فدل على أنهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الذي أراده الله منها، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله (ليس كمثله شيء)، فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم فقد خالف سبيلهم.