معرفة حقيقة الحكمة والسفه إذ من مذهبهم أن لا يرون بجوهر الشر إلا الشر وبجوهر الخير إلا الخير ثم لا يدري فيما سموه سفها أو حكمة إنه فعل الشر أو فعل الخير وكل الإنسان عندهم مشوب من الأمرين يرى بكل واحد خلاف ما يرى بالآخر فلعله رأى الحكمة سفها والسفه حكمة ثم لا يوثق بقوله لأنه خير فهو من جوهر الظلمة كذب كله ومن جوهر النور صدق كله فلا يدري بأي جوهرين ينطق ولا قوة إلا بالله
ثم إذ لم يكن لواحد منهما قدرة على الضرر ولا للأخر قدرة على النفع فانقطع موضع الرجاء والخوف جميعا فيذهب منفعة معرفة الحكمة والسفه
ثم إذ كان كل واحد من الجوهرين يعمل بالطبع فوقوع العلم بالحكمة إذا محال والسفه بالطبع والحكمة هي وضع كل شيء موضعه والسفه وضع كل شيء في غير موضعه ومحال وصف ذي طبع به إذ هو اختيار والنور عندهم لا يعلم ما السفه فيحذره ولا الظلمة تعلم ما الحكمة والجهل بمائية الشيء وبالوضع له شر فصار جوهر النور عندهم هو الذي اجتمع فيه العلم والجهل ثم القدرة والعجز بما لا يقدر على صرف السفه عن نفسه ولا يمنع الظلمة عن الضرر به فصار جوهر الخير عندهم مشوبا بالشر وجوهر الظلمة لا خير فيه فلزم على قولهم غلبة الشر على الخير والذي هو خير لم يعرف الشر والسفه فكيف يعرف هذا الذي يولد عن جوهر الخير بعد غلبة الشر عليه الخير والشر
على أن كل ذي طبع مقهور إذ لا يملك صرف ما يوجبه الطبع وإيجاب الخلاف وفي ذلك إيجاب قاهر يجعل ذا شرا بالطبع وهذا خيرا ولو رد ذا إلى اثنين كان فيهما ما في هذين نحو التسخين والتبريد أنه يكون بمن جعله كذلك وفي ذلك إيجاب القول بالواحد
ومن يقول بأن كل واحد منهما خالق قادر فإنه لا يخلو كل واحد منهما من أن يعلم الوجه الذي يمنع الآخر عن عمله أو لايقدر عليه أو لا فإن لم يعلم ولم