من البشتي فيما قاله من كيسه تأنيثه القعود ولا يكون القعود عند العرب إلا ذكرا . والثاني أنه لا قعود في الإبل تعرفه العرب غير ما فسره ابن السكيت . ورأيت العرب تجعل القعود البكر من حين يركب ، أي يمكن ظهره من الركوب . وأقرب ذلك أن يستكمل سنتين إلى أن يثنى ، فإذا أثنى سمي جملا . والبكر والبكرة بمنزلة الغلام والجارية اللذين لم يدركا . ولا تكون البكرة قعودا . وقال ابن الأعرابي فيما أخبرني المنذري عن ثعلب عنه : البكر قعود مثل القلوص في النوق إلى أن يثنى . هكذا قال النضر بن شميل في كتاب ( الإبل ) .
قلت : وقد ذكرت لك هذه الأحرف التي أخطأ فيها والتقطتها من أوراق قليلة ، لتستدل بها على أن الرجل لم يف بدعواه . وذلك أنه ادعى معرفة وحفظا يميز بها الغث من السمين ، والصحيح من السقيم ، بعد اعترافه أنه استنبط كتابه من صحف قرأها ، فقد أقر أنه صحفي لا رواية له ولا مشاهدة ، ودل تصحيفه وخطؤه على أنه لا معرفة له ولا حفظ . فالواجب على طلبة هذا العلم ألا يغتروا بما أودع كتابه ، فإن فيه مناكير جمة لو استقصيت تهذيبها اجتمعت منها دفاتر كثيرة . والله يعيذنا من أن نقول ما لا نعلمه ، أو ندعي ما لا نحسنه ، أو نتكثر بما لم نؤته . وفقنا الله للصواب ، وأداء النصح فيما قصدناه ، ولا حرمنا ما أملناه من الثواب .
وأما أبو الأزهر البخاري : الذي سمى كتابه ( الحصائل ) ، فإني نظرت في كتابه الذي ألفه بخطه وتصفحته ، فرأيته أقل معرفة من البشتي وأكثر تصحيفا . ولا معنى لذكر ما غير وأفسد ، لكثرته . وإن الضعيف المعرفة عندنا من أهل هذه الصناعة ، إذا تأمل كتابه لم يخف عليه ما حليته به . ونعوذ بالله من الخذلان وعليه التكلان .
ولو أني أودعت كتابي هذا ما حوته دفاتري ، وقرأته من كتب غيري ووجدته في الصحف التي كتبها الوراقون ، وأفسدها المصحفون ، لطال كتابي . ثم كنت أحد الجانين على لغة العرب ولسانها ولقليل لا يخزي صاحبه خير من كثير يفضحه .
ولم أودع كتابي هذا من كلام العرب إلا ما صح لي سماعا منهم ، أو رواية عن ثقة ، أو حكاية عن خط ذي معرفة ثاقبة اقترنت إليها معرفتي ، اللهم إلا حروفا وجدتها لابن دريد وابن المظفر في كتابيهما ، فبينت شكي فيها ، وارتيابي بها . وستراها في مواقعها من الكتاب ووقوفي فيها .
ولعل ناظرا ينظر في كتابي هذا فيرى أنه أخل به إعراضي عن حروف لعله يحفظها لغيري ، وحذفي الشواهد من شعر العرب للحرف بعد الحرف ، فيتوهم ويوهم غيره أنه حفظ ما لم أحفظه ، ولا يعلم أني غزوت فيما حذفته إعفاء الكتاب من التطويل الممل ،