تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مَضَى، ثُمَّ يَقْضِي فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ بِعَيْنِهِ عَلَى آخَرَ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مَنْ مَضَى، وَهُوَ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى هَذَا بِفُتْيَا قَوْمٍ وَيَقْضِيَ فِي مِثْلِهِ بِعَيْنِهِ عَلَى قَوْمٍ بِخِلَافِهِ بِفُتْيَا قَوْمٍ آخَرِينَ إِلَّا فَعَلَ؛ فَهَذَا مَا قَدْ عَابَهُ مَنْ مَضَى وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَلَمْ يَرَهُ صَوَابًا".

وَمَا قَالَهُ صَوَابٌ، فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْ نَصْبِ الْحُكَّامِ رَفْعُ التَّشَاجُرِ وَالْخِصَامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُ فِيهِ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ ضَرَرٌ، مَعَ عَدَمِ تَطَرُّقِ التُّهْمَةِ لِلْحَاكِمِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّخْيِيرِ فِي الْأَقْوَالِ مُضَادٌّ لِهَذَا كُلِّهِ.

وَحَكَى أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ١ "أَنَّ قَاضِيًا مِنْ قُضَاةِ قُرْطُبَةَ٢ كَانَ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى، لَا يَعْدِلُ عَنْ رَأْيِهِ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، فَوَقَعَتْ قَضِيَّةٌ تَفَرَّدَ فِيهَا يَحْيَى وَخَالَفَ جَمِيعَ أَهْلِ الشُّورَى؛ فَأَرْجَأَ الْقَاضِي الْقَضَاءَ فِيهَا حَيَاءً مِنْ جَمَاعَتِهِمْ، وَرَدَفَتْهُ قَضِيَّةٌ أُخْرَى كَتَبَ بِهَا إِلَى يَحْيَى، فَصَرَفَ يَحْيَى رَسُولَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَا أُشِيرُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ إِذْ تَوَقَّفَ عَلَى الْقَضَاءِ لِفُلَانٍ بِمَا أَشَرْتُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَيْهِ رَسُولُهُ وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ قَلِقَ مِنْهُ، وَرَكِبَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى يَحْيَى وَقَالَ لَهُ: لَمْ أَظُنَّ أَنَّ الْأَمْرَ وَقَعَ مِنْكَ هَذَا الْمَوْقِعَ، وَسَوْفَ أَقْضِي لَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: وَتَفْعَلُ ذَلِكَ صِدْقًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ لَهُ: فَالْآنَ هَيَّجْتَ غَيْظِي؛ فَإِنِّي ظَنَنْتُ إِذْ خَالَفَنِي أَصْحَابِي أَنَّكَ تَوَقَّفْتَ مُسْتَخِيرًا لِلَّهِ [مُتَخَيِّرًا] ٣ فِي الْأَقْوَالِ، فَأَمَّا إِذْ صِرْتَ تَتْبَعُ الْهَوَى وَتَقْضِي بِرِضَى مَخْلُوقٍ ضَعِيفٍ؛ فَلَا خَيْرَ فِيمَا تَجِيءُ بِهِ، وَلَا فيَّ إِنْ رَضِيتُهُ مِنْكَ، فاستعفِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَسْتَرُ لَكَ، وَإِلَّا رَفَعْتُ فِي عَزْلِكَ". فَرَفَعَ يَسْتَعْفِي فعُزِل.

وقصة محمد بن يحيى ابن لبابة أخو الشيخ ابن لبابة مشهورة، ذكرها.

١ وعنه القاضي عياض في "ترتيب المدارك" "١/ ٥٣٩ - ط بيروت".

٢ سماه أحمد بن عبد البر: "جميل المذهب".

٣ سقط من "ط".

الموافقات · الجزء ٥ · الصفحة ٨٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الموافقاتج ٥ · ص ٨٦