تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مُتَحَمِّلًا١ مِنْهُ أَمَانَةً لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا إِلَّا بِنَفَاذِهِ، أَوْ كَالْوَكِيلِ فِيهِ لِخَلْقِ اللَّهِ، سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَعَدَّ نَفْسَهُ مِنْهُمْ٢ أَمْ لَا.

وَهَذَا كَانَ غَالِبُ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إِمْسَاكُهُمْ مُضَادًّا لِاعْتِمَادِهِمْ عَلَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ سبحانه وتعالى إِلَّا أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ أُجْرِيَ عَلَى اعْتِبَارِ سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَادِيَاتِ، وَالْأَوَّلُ لَيْسَ لِلْعَادِيَّاتِ عِنْدَهُ مَزِيَّةٌ فِي جَرَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْعِبَادِ.

وَأَمَّا مَنْ أَبْقَى لِنَفْسِهِ حَظًّا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ حَظُّهُ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْمُبَاحَاتِ عَلَى شَرْطِ عَدَمِ الْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبَاتِ، وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الْمَكِّيَّةِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا ذُكِرَ؛ فَالصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ هَذَا الْقِسْمِ٣ مُعَامَلُونَ حُكْمًا بِمَا قَصَدُوا مِنِ اسْتِيفَاءِ الْحُظُوظِ؛ فَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَهُمَا مَنْ لَا يَأْخُذُ بِتَسَبُّبِهِ أَوْ يَأْخُذُ بِهِ وَلَكِنْ عَلَى نِسْبَةِ الْقِسْمَةِ وَنَحْوِهَا.

فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا تَقَعُ الْفُتْيَا بِمُقْتَضَى هَذَا الْأَصْلِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ؟

فَاعْلَمْ أَنَّ النَّظَرَ فِيهِ خَاصٌّ لَا عَامٌّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى حَالَةٍ يَكُونُ الْمُسْتَفْتِي عَلَيْهَا، وَهُوَ كَوْنُهُ يَعْمَلُ لِلَّهِ وَيَتْرُكُ لِلَّهِ فِي جَمِيعِ تَصَارِيفِهِ؛ فَسَقَطَ لَهُ طَلَبُ الْحَظِّ لِنَفْسِهِ، فَسَاغَ أَنْ يُفْتِيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ حَالَتِي، فَاحْمِلْنِي عَلَى مُقْتَضَاهَا، فَلَا بُدَّ أن يحمله على ما تقضيه٤، كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِلْمُفْتِي: إِنِّي عَاهَدْتُ الله على أن لا أَمَسَّ فَرَجِي بِيَمِينِي، أَوْ عَزَمْتُ عَلَى أَلَّا أسأل أحدا شيئًا، وأن لا تَمَسَّ يَدِي يَدَ مُشْرِكٍ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا؛ فإنه عقد [عقدًا]

١ في "ماء": "محتملًا".

٢ في "د": "أمد نفسه منه".

٣ في "د": "أهل هذا البلد".

٤ في "د": "يحمله ... تقضيه".

الموافقات · الجزء ٥ · الصفحة ٢٤٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الموافقاتج ٥ · ص ٢٤٤