تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرُّخَصِ، كَمَا تَبَيَّنَ١ وَجْهُهُ، فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ؛ فَتَأَمَّلْ كَيْفَ صَارَ قَبُولُ مُقْتَضَى الْخَوَارِقِ رُخْصَةً مِنْ وَجْهَيْنِ! فَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يَسْتَنِدُوا إِلَيْهَا، وَلَمْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَلْ قَبِلُوهَا٢ وَاقْتَبَسُوا مِنْهَا مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ الْمُعِينَةِ لَهُمْ عَلَى مَا هُمْ بِسَبِيلِهِ، وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا سِوَى ذَلِكَ؛ إِذْ كَانَتْ مَعَ أَنَّهَا كَرَامَةٌ وَتُحْفَةٌ؛ تَضَمَّنَتْ تَكْلِيفًا٣ وَابْتِلَاءً.

وَقَدْ حَكَى الْقُشَيْرِيُّ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى:

فَرَوَى عَنْ أَبِي الْخَيْرِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ بِعَبَّادَانَ٤ رَجُلٌ أَسْوَدُ فَقِيرٌ يَأْوِي إِلَى الْخَرَابَاتِ٥؛ قَالَ: فَحَمَلْتُ مَعِي شَيْئًا وَطَلَبْتُهُ، فَلَمَّا وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَيَّ تَبَسَّمَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَرَأَيْتُ الْأَرْضَ كُلَّهَا ذَهَبًا تَلْمَعُ. ثُمَّ قَالَ: هَاتِ مَا مَعَكَ. فَنَاوَلْتُهُ وَهَالَنِي أَمْرُهُ وَهَرَبْتُ٦.

وَحُكِيَ عَنِ النُّورِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ لَيْلَةً إِلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ؛ فَوَجَدَهَا وَقَدِ الْتَزَقَ الشَّطَّانِ، فَانْصَرَفَ وَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا أَجُوزُهَا إِلَّا فِي زَوْرَقٍ٧.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْبَصْرِيِّ؛ قَالَ: أَتَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلٍّ، فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْكَ الرِّزْقَ لَرَجَوْتُ أَنْ يَفْعَلَ. فَقَالَ: رَبِّي أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، ثُمَّ أَخَذَ حَصًى مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْعَلَهَا ذَهَبًا فَعَلْتَ، فَإِذَا هِيَ وَاللَّهِ فِي يده ذهب، فألقاها إلي

١ أي: في المسألة الأولى. "د".

٢ في "ط" زيادة "علما".

٣ كما يؤخذ من كلام عبد الرحمن بن زيد الآتي: "لا خير في الدنيا إلا للآخرة ... " فما حصل من التحفة يتضمن تكليفا جديدا في التصرف فيه واستعماله. "د".

٤ في النسخ المطبوعة: "بفناء داره"، والتصويب من الأصل و"الرسالة القشيرية".

٥ في "م" و"ط": "الخَرِبات"، وهو الجمع الصحيح لغة، وفي غيرهما: "الخرابات"، وكذا عند القشيري.

٦ "الرسالة القشيرية" "ص١٦٣".

٧ "الرسالة القشيرية" "ص١٦٤".

الموافقات · الجزء ١ · الصفحة ٥٤٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الموافقاتج ١ · ص ٥٤٨