تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تَوَجَّهَ حُكْمُ الْعَزِيمَةِ؛ فَإِنَّ الرُّخْصَةَ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ، كَمَا أَنَّ الْعَزِيمَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلِ التَّكْلِيفِ، وَكِلَاهُمَا أَصْلٌ كُلِّيٌّ؛ فَالرُّجُوعُ إِلَى حُكْمِ الرُّخْصَةِ وُقُوفٌ مَعَ مَا مِثْلُهُ مُعْتَمَدٌ.

لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَصْلُ رَفْعِ الْحَرَجِ وَارِدًا عَلَى أَصْلِ التَّكْلِيفِ وُرُودَ الْمُكَمِّلِ؛ تَرَجَّحَ جَانِبُ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ بِوَجْهٍ مَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَخْرِمُ أَصْلَ الرُّجُوعِ لِأَنَّ بِذَلِكَ الْمُكَمِّلِ قِيَامُ أَصْلِ التَّكْلِيفِ.

وَقَدِ اعْتُبِرَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ هَذَا١؛ فَفِيهِ: إِنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ مُبَاحٌ بِهِ٢ فَأَفْطَرَ؛ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَفْطَرَ فِيهِ بِتَأْوِيلٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ٣ غَيْرَ عِلْمِيٍّ، بَلْ هَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مُتَأَوِّلٍ؛ كَشَارِبِ الْمُسْكِرِ ظَانًّا أَنَّهُ غَيْرُ مُسْكِرٍ، وَقَاتِلِ الْمُسْلِمِ ظَانًّا أَنَّهُ كَافِرٌ، وَآكِلِ الْمَالِ الْحَرَامِ عَلَيْهِ ظَانًّا أَنَّهُ حَلَالٌ لَهُ، وَالْمُتَطَهِّرِ بِمَاءٍ نَجِسٍ ظَانًّا أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ فِي اجْتِهَادِهِ.

وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَالنَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: "اجْلِسُوا ". فَجَلَسَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فقال [له] ٤: "تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ" ٥. فَظَاهِرٌ من هذا أنه رأى الوقوف

١ أي: الوقوف مع دليل معارض بقوي، وإن كان نفس الدليل غير علمي؛ لأنه مجرد ظن غير مبني على شيء من الشرع. "د".

٢ في "ط": "له".

٣ الذي بني عليه الفطر أو التأويل غير دليل أو مستند علمي؛ أي: لا يلزم فيه ذلك. "د".

٤ ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"م" و"ط".

٥ أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الطهارة، باب الإمام يكلم الرجل في خطبته، ١/ ٢٨٦/ رقم ١٠٩١" -ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "٣/ ٢٠٦"- من طريق مخلد بن يزيد عن ابن جريج عن عطاء عن جابر به.

وقال أبو داود عقبه: "هذا يعرف، مرسل، إنما رواه الناس عن عطاء عن النبي -ﷺ- ومخلد =

الموافقات · الجزء ١ · الصفحة ٢٦٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الموافقاتج ١ · ص ٢٦٤