وما رواه عن عمر أنه قال: «أَكْذَبُ المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ» لم يذكر سنده وقد تصدَّى له عثمان بن سعيد الدارمي (٢٠٠ - ٢٨٠ هـ) فَرَدَّ عليه رَدًّا قويًا أخمده وكشف عن جميع اتهاماته (١).
...
[ب] أبو هريرة وعثمان بن عفان:
لم يذكر مصدر موثوق أنَّ عثمان كَذَّبَ أبا هريرة كما ادَّعَى النظَّام وغيره، كما لم يثبت أنه طعن فيه أو منعه من التحديث، وكل ما هنالك رواية ذكرها ابن خلاَّد قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عِيسَى، - يَنْزِلُ جَبَلَ رَامَهُرْمُزَ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَظُنُّهُ ابْنَ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ قَالَ: أَرْسَلَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: قُلْ لَهُ: «يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: مَا هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَقَدْ أَكْثَرْتَ، لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لأَلْحَقَنَّكَ بِجِبَالِ دَوْسٍ، وَأْتِ كَعْبًا، فَقُلْ لَهُ: «يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ: مَا هَذَا الْحَدِيثُ؟ قَدْ مَلأْتَ الدُّنْيَا حَدِيثًا، لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لأَلْقِيَنَّكَ بِجِبَالِ الْقِرَدَةِ» (٢).
إلاَّ أنَّ الخبر رُوِيَ عن عمر بن الخطاب، ولم نر إلاَّ هذه الرواية عن عثمان - رضي الله عنه - وقد كانت صلة أبي هريرة قوية بأمير المومنين عثمان - رضي الله عنه -، مِمَّا لا يتصور أنْ يهدِّدهُ بالنفي، والمعقول أنْ ينصحه بالحُسنى، ولو صحَّت هذه الرواية، فليس فيها طعن في أبي هريرة، لأنه ينهاه عن الإكثار من الرواية عندما لا تكون هناك حاجة إلاَّ الإكثار منها، وأبو هريرة نفسه لم ير في هذا مطعنًا، ولم يترك كل هذا أثرًا في نفسه، فنراه يوم الدار يدافع عن الخليفة الراشد الثالث - رضي الله عنهما -
...
(١) " رد الدارمي على بشر ": ص ١٣٢ وما بعدها.
(٢) " المحدث الفاصل ": ص ١٣٣.