تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذان العاملان ليجعلا من أبي هريرة راوية الإسلام حافظ السُنَّة، وإني أومن بالأثر العظيم الذي تركه دعاؤه - ﷺ - في نفس أبي هريرة على طلب الحديث بنفس صافية وعزيمة قوية، وهِمَّةٍ عاليةٍ، أومن بذلك إيمان اليقين، وإنَّ سيرته وحياته تؤكِّدان ذلك.

وما كان أبو هريرة ليكتفي بما يسمع من رسول الله - ﷺ -، في نهاره أو ليله، بل كان يراجع حديثه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، ويُكرِّرُ في المسجد، وفي الطريق، وفي بيته، ليلًا ونهارًا، لأنه يرى في ذلك نوعًا من أنواع العبادة، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: «جَزَأْتُ اللَّيْلَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ: ثُلُثًا أُصَلِّي، وَثُلُثًا أَنَامُ، وَثُلُثًا أَذَكَرُ فِيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (١).

وهذا عامل ثالث من عوامل تثبيت الحديث في صدر أبي هريرة وحفظه، وذاك غاية ما يفعله المتعطِّشُون للعلم المُحِبُّون له، الساعون وراءه، فكيف بأبي هريرة الذي عرفنا عزيمته وإقدامه على حديث رسول الله - ﷺ -!؟.

ويذكر لنا أبو الزعيزعة، كاتب مروان، ما يُثْبِتُ اتقانه وحفظه، فيقول: «دَعَا مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ، وَأَجْلَسَنِي خَلَفْ الْسَّرِيرِ، وَجَعَلْتُ أَكْتُبُ عَنْهُ، حَتَّىَ إِذَا كَانَ رَأْسُ الْحَوْلِ، دَعَا بِهِ، فَأَقْعَدَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ، فَمَا زَادَ وَلاَ نَقَصَ، وَلاَ قَدَّمَ وَلاَ أَخَّرَ» (٢)!!.

ومن هذا أيضًا أنه لقي رجلًا، فَقَالَ لَهُ: بِأَيِّ سُورَةٍ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَارِحَةَ فِي الْعَتَمَةِ؟ فَقَالَ: لاَ أَدْرِي. فَقُلْتُ: أَلَمْ تَشْهَدْهَا؟

(١) " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ص ١٨٠: ب - ١٨١: آ، وانظر " سنن الدارمي ": ص ٨٢، جـ ١.

(٢) " البداية والنهاية ": ص ١٠٦، جـ ٨، و" سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣١، جـ ٢، وقد جمعت بين الروايتين.

أبو هريرة راوية الإسلام · الصفحة ١٢٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبو هريرة راوية الإسلامص ١٢٦