تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فدخل عليه صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعةٍ من نهارٍ لم يكن يدخل فيها على أبي بكر وأخبره أن الله أذن له بالهجرة فلما سأله الصحبة و وافق بكى فرحاً كانت عائشة يومئذٍ صغيرة لم تناهز الحلم قالت: ما علمت أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبي يبكي , ثم خرج من عنده.

على الجانب الآخر أصرّت قريش على أن تمنعه فاجتمعوا في دار الندوة وبعد أخذٍ وعطاء رؤوا أن يطوّق داره ثلةٌ من شبابهم صنعوا ما فعلوه ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ , وخرج صلى الله عليه وسلم من عندهم بعد أن نام عليٌ على فراشه وورد أنه تلا ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾.

كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه قد أعد راحلتين حرص على أن يباشر رعايتهما واستأجر دليلاً كافراً أمنه يقال له عبد الله ابن أريقط من بني الديل ومعهم عامر ابن فهيرة مولاً لأبي بكر يخدمهم.

فأول ما توجه فيه إلى الغار ...

أمرّغ في حراء ذي مخدي ... دواماً بالغداة وبالعشي

لعلي أن أنال بحر وجهي ... تراباً مسّه قدم النبي.

فدخل صلى الله عليه وسلم الغار ورد بأسانيد حسنة وبعضها بأقل درجةً أن العنكبوت نسجت وأياً كان الأمر عناية الله أغنت عن مضاعفةٍ من الجبال وعن عال من الأضن.

فدخل صلى الله عليه وسلم الغار تبعته قريش حتى وصل الطلب إلى فم الغار , لما رآهما الصدّيق خشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لرآنا , فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ما بالك باثنين الله ثالثهما! , هو لم يقل له الجواب لكن السؤال في نفسه ...

المقدم: جواب.

الشيخ صالح المغامسي: جواب , ما بالك باثنين الله ثالثهما , قال أصدق القائلين ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ فنزول السكينة هنا على ما أذهب إليه خلافاً للجمهور لم يكن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أنزل الله السكينة على أبي بكر وإن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الغار والسكينة تخشاه وأبو بكر يعلم أن في موت رسول الله موت دين وذهاب ملة وغياب توحيد فكان خائفاً وجلاً.

فأنزل الله السكينة على الصدّيق وإلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن حينها قد فقد السكينة حتى تنزل عليه , ومن قرأ الآية قراءةً تفسيريةً ظاهرةً تبيّن له هذا لأن الله متى ذكر هذه الآية؟ , ذكرها في سورة التوبة لما أحجم المنافقون على نصرة رسول الله في جيش العسرة فقال الله: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ﴾ يعني ان لم تنصروه ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ﴾ في موضعٍ أقل من هذا متى؟ ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ , أي على ذلكم الصاحب ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ أي الملائكة ولا ينصرف هذا إلى العنكبوت والحمام وأثره لأن هذا لو صح و وقع فانه مرئي والله يقول ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ إذاً ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ لا يتكلم الله عن الغار لكن الناس فقهوا هذا لعجز في التفسير والمعنى أن الله نصر نبيه في موضعين: موضعٌ يوم الغار وموضعٌ في بدر.

في بدر أنزل الله الجنود التي لم يراها أحد وهي الملائكة وفي الغار أنزل الله السكينة على الصدّيق كما أخبر تبارك و تعالى في هذه الآية أياً كان سيأتي تفصيل هذا ان شاء الله في حديثٍ عن غزوة تبوك.

لكن نعود هنا ومكثا في الغار ثلاثة أيام يأوي إليهم عبد الله ابن أبي بكر بأخبار الناس وتأوي إليهم أسماء بنت أبي بكر بالذات وهي أكبر من عائشة بعشر سنين , لما انتهى الطلب نزل صلى الله عليه وسلم إلى المقام والمكان الذي واعدا فيه عبد الله ابن أريقط خريّج يحسن الطرق فضرب بهم الأرض فحملت الوعاد والنجاد تشرف برسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في رحلةٍ مباركة كانت شامةً في جبين الأيام وتاجاً في مفرق الأعوام هو صلى الله عليه وسلم أشرف الخلق على الله يتصدر هذا الركب الميمون ليعلّم الله جل وعلا عباده سنة التدرج ولتعلم الأمة أي مشقةٍ عظيمة لقيها صلى الله عليه وسلم حتى بلّغ الدين على الوجه الأكمل والنحو الأتم.

وقعت لهم في الطريق أمورٌ كثر من أشهرها أنهم مروا على أم معبد امرأة من خزاعة جلدة لها خيمتان تكرم الضيف تطعم الناس وإذا احتاجت باعت , فدخل عليها صلى الله عليه وسلم ومعه عامر وعبد الله وأبو بكر وسألها شيئاً يباع فاعتذرت وأخبرت أن السنين مرملة أي زمن جذب واعتذرت إليهما فإذا بشاةٍ في كسر الخيمة فسألها صلى الله عليه وسلم أن يحلبها فقالت فداك أبي وأمي إن رأيت بها حلباً وعلمت أن هذه الشاة إنما خلفها جهدها عن بقية الغنم.

المقدم: طبعاً لم تكن تعرف من هم الثلاثة.

الشيخ صالح المغامسي: لم تكن تعرف شيئاً من هذا البتة فأخذ صلى الله عليه وسلم الشاة و وضع قدميها بين رجليه ثم سمّ الله وهي ترقب وليس لها في هذا عهد أي المرأة , ثم حلب صلوات الله وسلامه عليه فملأ الإناء وسقاها ثم سقى أبا بكر وهو نبي الأمة وأشرف الملة قالوا كان رجلاً يبحث عن مجد زائل منذ أن درت قال للخادم أكمل ولكنه لم يفعل لأن قناعته بنفسه وبنصرة ربه له لا تحتاج إلى أن يفعل شيئاً من هذا , فسقى المرأة وسقى أبا بكر وسقى عامرً وسقى عبد الله الكافر ثم شرب صلى الله عليه وسلم.

ثم عاد وحلب وأبقاه لأبي معبد وخرج من عندها والمرأة ترى شيئاً ليس لها به عهد ما أمست حتى عاد زوجها أبو معبد يسوق أعنز بهنّ من العجاف ما بهن فلما الإناء ممتلئاً لبناً تعجب! , قال ما هذا يا أم معبد! , الرجل إذا رأى شيئاً في بيته من حقه أن يسأل ولو بغضب لأن هذا يعني أن أحداً طرق البيت غيره ولهذا تعجّب زكريا لما كان يرى الطعام عند مريم وهو المسؤول عنها وسألها ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.

فالقضية نفسها أعادها أبو معبد يسألها أنى لكِ هذا؟ , قالت لا والله استفتاح قوي إلا أنه مر بنا رجلٌ مبارك والبركة خيرٌ يضعه الله جل وعلا أهل الحجاز والعرب يسمون الماء في المجمع بِركة مع أن البِركة أي أن الماء أصبح محصوراً وهذا من معاني البركة فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً جعل الخير كأنه ينبع منه مثله صلى الله عليه وسلم.

برنامج نضرة النعيم · الصفحة ٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

برنامج نضرة النعيمص ٣٦