تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| وقال مالك وأحمد ، وإسحاق يجوز بيع الدقيق بالحنطة متماثلا ، ثم اختلفوا في كيفية | تماثله . فقال مالك . يصح تماثله بالكيل .

وقال أحمد وإسحاق : لا يصح تماثله إلا بالوزن .

فأما من ذهب إلى جنسان وجوز التفاضل بينهما وهو أبو ثور والكرابيسي هذه الرواية . | فاستدل لذلك بشيئين :

أحدهما : أن الدقيق لا يصير حنطة أبدا ، ولا شيء أبلغ في تنافي التجانس من هذا .

والثاني : أنه لو حلف لا يأكل حنطة فأكل دقيقا أو لا يأكل دقيقا فأكل حنطة لم يحنث ، | ولو كانا جنسا واحدا لحنث بأكل واحد منهما .

فأما من ذهب إلى جنس واحد وإن المماثلة بينهما حاصلة إما بالكيل أو بالوزن على | حسب اختلافهم فيه ، فاستدل بأن الدقيق حنطة متفرقة الأجزاء وتفريق أجزائها يحدث فيها | خفة في المكيال وذلك لا يمنع من التساوي كما لو باع الحنطة خفيفة الوزن بكيلها حنطة | ثقيلة الوزن لم يمنع من جواز البيع ، وإن علم اختلافهما في الوزن إذا تساويا في الكيل ، | كذلك الدقيق بالحنطة .

والدلالة على أن الدقيق والحنطة جنس واحد هو أن الدقيق نفس الحنطة وإنما تفرقت | أجزاؤها ، وليس تفرق أجزائها بمخرج لها من جنسها كصحاح الدراهم ومكسورها فإن قيل | مكسور الدراهم يصير صحاحا بالسبك ، والدقيق لا يصير حنطة أبدا . قلنا : ليس اختلاف | الشيء بتنقل أحواله التي لا يعود إليها يوجب اختلاف جنسه فإن التيس لا يعود جديا ، والتمر | لا يعود رطبا ، والرطب لا يعود بسرا ثم لا يدل انتقاله إلى الحالة الثانية وتعذر عوده إلى | الحال الأول على اختلاف الأجناس ، بل التمر من جنس الرطب وإن لم يصر رطبا ، كذلك | الدقيق من جنس الحنطة وإن لم يصر حنطة .

فأما الأثمان فمجهولة على عرف الأسامي ، والربا محمول على اعتبار المعاني ، فلم | يجز اعتبار أحدهما بالآخر . ألا تراه لو حلف لا يأكل رطبا فأكل تمرا لم يحنث ، ولا يدل | ذلك على أن التمر والرطب جنسان .

فإذا ثبت أن الدقيق والحنطة جنس واحد حرم التفاضل فيه ولم يصح اعتبار التماثل | فيه .

أما بالوزن فلأن أصله الكيل وما كان أصله الكيل فلا يجوز أن يعتبر تماثله بالوزن ، | وأما الكيل فلأن تفريق أجزاء الدقيق بالطحن واجتماع أجزاء الحنطة يحدث بينهما في | المكيال اختلافا يحيط العلم بالفضل بينهما ، والتفاضل محظور بالنص .

وليس هذا كالطعام الخفيف بالطعام الثقيل ، لأن أجزاء الجميع مجتمعة ، وإنما خفت |

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني · الجزء ٥ · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزنيج ٥ · ص ١٠٩